بين
السلطان الفاتح وأستـاذه (آق شمس الدين)
كان السلطان
(محمد الفاتح) يكن لأستاذه الشيخ (آق شمس الدين) مشاعر
الحب ، والإجلال ، والتوقير ، ويزوره على الدوام ، حيث
يستمع لأحاديثه ونصائحه ، ويستفيد من علمه الغزير.
وكان أستاذه
هذا مهيباً لا يخشي سوى الله ، لذا فإنه عند قدوم السلطان
(محمد الفاتح) لزيارته ، لا يقوم له من مجلسه ، ولا يقف
له. أما عند زيارته للسلطان (محمد الفاتح) فقد كان السلطان
يقوم له من مجلسه توقيراً له ، واحتراماً ويجلسه بجانبه.
وقد لاحظ
ذلك وزار السلطان وحاشيته ، لذا لم يملك الصدر الأعظم
(محمود باشا) من إبداء دهشته للسلطان فقال له : لا أدري
يا سلطاني العظيم ، لم تقوم للشيخ (آق شمس الدين ) عند
زيارته لك ، من دون سائر العلماء والشيوخ ، في الوقت الذي
لا يقوم لك تعظيماً عند زيارتك له ؟!.
فأجابه
السلطان : أنا أيضاً لا أدري السبب … ولكني عندما أراه
مقبلاً علي ، لا أملك نفسي من القيام له … أما سائر العلماء
والشيوخ ، فإني أراهم يرتجفون من حضوري ، وتتلعثم ألسنتهم
عندما يتحدثون معي ، في الوقت الذي أجد نفسي أتلعثم عند
محادثتي الشيخ (آق شمس الدين).
وفي فتح
القسطنطينية أراد السلطان أن يكون شيخه بجانبه أثناء الهجوم
فأرسل إليه يستدعيه، لكن الشيخ كان قد طلب ألا يدخل عليه
أحد الخيمة ومنع حراس الخيمة رسول السلطان من الدخول،
وغضب محمد الفاتح وذهب بنفسه إلى خيمة الشيخ ليستدعيه
، فمنع الحراس السلطان من دخول الخيمة بناءً على أمر الشيخ
، فأخذ الفتح خنجره وشق جدار الخيمة في جانب من جوانبها
ونظر إلى الداخل فإذا شيخه ساجداً لله في سجدة طويلة وعمامته
متدحرجة من على رأسه وشعر رأسه الأبيض يتدلى على الأرض
، ولحيته البيضاء تنعكس مع شعره كالنور ، ثم رأى السلطان
شيخه يقوم من سجدته والدموع تنحدر على خديه ، فقد كان
يناجي ربه ويدعوه بإنزال النصر ويسأله النصر ويسأله الفتح
القريب.
وعاد السلطان
محمد (الفاتح) عقب ذلك إلى مقر قيادته ونظر إلى الأسوار
المحاصرة فإذا بالجنود العثمانيين وقد أحدثوا ثغرات بالسور
تدفق منها الجنود إلى القسطنطينية ، ففرح السلطان بذلك
وقال: ليس فرحي لفتح المدينة إنما فرحي بوجود مثل هذا
الرجل في زمني.
وذكر الإمام
الشوكاني صاحب البدر الطالع أن ( ثم بعد يوم – من الفتح
- جاء السلطان إلى خيمة ( آق شمس الدين) وهو مضطجع فلم
يقم له ، فقبل السلطان يده وقال له : جئتك لحاجة، قال
: وما هي ؟ قال: أن ادخل الخلوة عندك، فأبى، فأبرم عليه
السلطان مراراً وهو يقول: لا. فغضب السلطان وقال: إنه
يأتي إليك واحد من الأتراك فتدخله الخلوة بكلمة واحدة
وأنا تأبى علي ، فقال الشيخ : إنك إذا دخلت الخلوة تجد
لذة تسقط عندها السلطنة من عينيك فتختل أمورها فيمقت الله
علينا ذلك ، والغرض من الخلوة تحصيل العدالة ، فعليك أن
تفعل كذا وكذا - وذكر له شيئاً من النصائح - ثم أرسل إليه
ألف دينار فلم يقبل ، ولما خرج السلطان محمد خان قال لبعض
من معه : ما قام الشيخ لي. فقال له: لعله شاهد فيك من
الزهو بسبب هذا الفتح الذي لم يتيسر مثله للسلاطين العظام،
فأراد بذلك أن يدفع عنك بعض الزهو).
عدالة القضاء
أمر السلطان
(محمد الفاتح) ببناء أحد الجوامع في مدينة (اسطنبول)،
وكلف أحد المعمارين الروم واسمه (إبسلانتي) بالإشراف على
بناء هذا الجامع، إذ كان هذا الرومي معمارياً بارعاً.
وكان من بين أوامر السلطان: أن تكون أعمدة هذا الجامع
من المرمر، وأن تكون هذه الأعمدة مرتفعة ليبدو الجامع
فخماً، وحدد هذا الارتفاع لهذا المعماري.
ولكن هذا
المعماري الرومي – لسبب من الأسباب – أمر بقص هذه الأعمدة
، وتقصير طولها دون أن يخبر السلطان ، أو يستشيره في ذلك
، وعندما سمع السلطان (محمد الفاتح) بذلك ، استشاط غضباً
، إذ أن هذه الأعمدة التي جلبت من مكان بعيد ، لم تعد
ذات فائدة في نظره ، وفي ثورة غضبه هذا ، أمر بقطع يد
هذا المعماري. ومع أنه ندم على ذلك إلا أنه كان ندماً
بعد فوات الأوان.
ولم يسكت
المعماري عن الظلم الذي لحقه ، بل راجع قاضي اسطنبول الشيخ
( صاري خضر جلبي) الذي كان صيت عدالته قد ذاع وانتشر في
جميع أنحاء الإمبراطورية ، واشتكى إليه ما لحقه من ظلم
من قبل السلطان (محمد الفاتح).
ولم يتردد
القاضي في قبول هذه الشكوى ، بل أرسل من فوره رسولاً إلى
السلطان يستدعيه للمثول أمامه في المحكمة ، لوجود شكوى
ضده من أحد الرعايا.
ولم يتردد
السلطان كذلك في قبول دعوة القاضي ، فالحق والعدل يجب
أن يكون فوق كل سلطان.
وفي اليوم
المحدد حضر السلطان إلى المحكمة ، وتوجه للجلوس على المقعد
قال له القاضي : لا يجوز لك الجلوس يا سيدي … بل عليك
الوقوف بجانب خصمك.
وقف السلطان
(محمد الفاتح) بجانب خصمه الرومي، الذي شرح مظلمته للقاضي،
وعندما جاء دور السلطان في الكلام، أيد ما قاله الرومي.
وبعد انتهاء
كلامه وقف ينتظر حكم القاضي، الذي فكر برهة ثم توجه إليه
قائلاًَ: حسب الأوامر الشرعية ، يجب قطع يدك أيها السلطان
قصاصاً لك !!
ذهل المعماري
الرومي ، وارتجف دهشة من هذا الحكم الذي نطق به القاضي
، والذي ما كان يدور بخلده ، أو بخياله لا من قريب ولا
من بعيد ، فقد كان أقصى ما يتوقعه أن يحكم له القاضي بتعويض
مالي. أما أن يحكم له القاضي بقطع يد السلطان (محمد الفاتح)
فاتح (القسطنطينية) الذي كانت دول أوروبا كلها ترتجف منه
رعباً، فكان أمراً وراء الخيال … وبصوت ذاهل ، وبعبارات
متعثرة قال الرومي للقاضي ، بأنه يتنازل عن دعواه ، وأن
ما يرجوه منه هو الحكم له بتعويض مالي فقط ، لأن قطع يد
السلطان لن يفيده شيئاً ، فحكم له القاضي بعشر قطع نقدية
، لكل يوم طوال حياته ، تعويضاً له عن الضرر البالغ الذي
لحق به.
ولكن السلطان
(محمد الفاتح) قرر أن يعطيه عشرين قطعة نقدية ، كل يوم
تعبيراً عن فرحه لخلاصه من حكم القصاص ، وتعبيراً عن ندمه
كذلك.
صورتان
من الزهد الحقيقي
قدم عمر
بن الخطاب رضي الله عنه الشام فقال لأبي عبيدة : اذهب
بنا إلى منزلك ، قال : وما تصنع عندي ، أخشى أن تعصر عينيك
عليّ ، فدخل عمر فلم يجد عند أبي عبيدة شيئاً يذكر ، قال
عمر : أعندك طعام ؟ فقام أبو عبيدة إلى كسيرات في جونة
، فبكى عمر وقال : غيرتنا الدنيا كلنا إلا أبا عبيدة .
وأرسل عمر
أيضا ًلأبي عبيدة رضي الله عنهما أربعمائة دينار ليوسع
بها على نفسه ، فقسمها في الفقراء قبل انصراف الرسول ،
فلما بلغ ذلك عمر رضي الله عنه قال : الحمد لله الذي جعل
في الإسلام من يصنع هذا ؟
صورتان
فقط أوردتهما تدل على صورة رائعة من التعلق بالآخرة والبعد
عن الدنيا ، وكلا الصورتين لأبي عبيدة بن الجراح الذي
أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمين هذه الأمة .
إنه الزهد
الحقيقي في الدنيا الذي جعل من هذا الجيل الفريد خفافاً
حين ينادي المنادي : يا خيل الله اركبي ، ويجعلهم أرق
دمعة حين يسمعون آيات الله تتلى ، ويحملهم على طول القيام
بين يدي الله تعالي ناصبين أقداهم في محراب الصلاة ، ما
شغلتهم أموال يجمعونها ، ولا بيوت يعمرونها ، ولا أزواج
يلهونهم ، فهل عرفنا لماذا سبقوا وتخلفنا ؟
يوم
ذي قار
كان من
أعظم أيام العرب ، وأبلغها في توهين أمر الأعاجم ، وهو
يوم لبني شيبان ، وهوأول يوم انتصرت فيه العرب على العجم
. وخبره كالتالي :
ذكر كسرى
بن هرمز يوماً الجمال العربي ، وكان في مجلسه رجل عربي
يقال له : زيد بن عدي ، وكان النعمان قد غدر بأبيه وحبسه
ثم قتله ، فقال له : أيها الملك العزيز إن خادمك النعمان
بن المنذر عنده من بناته وأخواته وبنات عمه وأهله أكثر
من عشرين امرأة على هذه الصفة .
وأرسل كسرى
زيداً هذا إلى النعمان ومعه مرافق لهذه المهمة ، فلما
دخلا على النعمان قالا له : إن كسرى أراد لنفسه ولبعض
أولاده نساءاً من العرب ، فأراد كرامتك ، وهذه هي الصفات
التي يشترطها في الزوجات . فقال له ا لنعمان : أما في
مها السواد وعين فارس ما يبلغ به كسرى حاجته ؟ يا زيد
سلّم على كسرى ، قل له : إن النعمان لم يجد فيمن يعرفهن
هذه الصفات ، وبلغه عذري . ووصل زيد إلى كسرى فأوغر صدره
، وقال له : إن النعمان يقول لك : ستجد في بقر العراق
من يكفينك .
فطار صواب
كسرى وسكت لكي يأمن النعمان بوائقه ، ثم أرسل إلى النعمان
يستقدمه ، فعرف النعمان أنه مقتول لا محالة ، فحمل أسلحته
وذهب إلى بادية بني شيبان حيث لجأ إلى سيدهم هانئ بن مسعود
الشيباني وأودع عنده نسوته ودروعه وسلاحه ، وذهب إلى كسرى
، فمنعه من الدخول إليه وأهانه ، وأرسل إليه من ألقى القبض
عليه ، وبعث به إلى سجن كان له ، فلم يزل به حتى وقع الطاعون
هناك فمات فيه .
وأقام كسرى
على الحيرة ملكاً جديداً هو إياس بن قبيصة الطائي ، وكلفه
أن يتصل بهانئ بن مسعود ويحضر ما عنده من نساء النعمان
وسلاحه وعتاده ، فلما تلقى هانئ خطاب كسرى رفض تسليم الأمانات
، فخيره كسرى إما أن يعطي ما بيده ، أو أن يرحل عن دياره
، أو أن يحارب ، فاختار الحرب ، وبدأ يعد جيشاً من بكر
بن وائل ومن بني شيبان ومن عجل ويشكر والنمر بن قاسط وبني
ذهل .
وفي أثناء
ذلك جمع كسرى نخبة من أبطال الفرس ومن قبائل العرب التي
كانت موالية له وخصوصاً قبيلة إياد ، ووجههم ليجتاحوا
هانئاً ويحضروه صاغراً إلى كسرى.
فلما وصل
جيش كسرى وحلفاؤهم من العرب أرسلت قبيلة إياد إلى هانئ
: نحن قدمنا إلى قتالك مرغمين ، فهل نحضر إليك ونفرّ من
جيش كسرى؟ فقال لهم : بل قاتلوا مع جنود كسرى ، واصمدوا
إلينا أولاً ، ثم انهزموا في الصحراء ، وإذ ذاك ننقض على
جيش كسرى ونمزقهم .
وقدم الجيش
الفارسي وحلفاؤهم من إياد فوجدوا جيش هانئ قد اعتصم بصحراء
لا ماء فيها ولا شجر ، وقد استقى هانئ لجيشه من الماء
ما يكفيهم ،فبدأ الفرس يموتون من العطش ، ثم انقضوا على
جيش هانئ كالصواعق ، وبينما هم في جحيم المعركة انهزمت
قبيلة إياد أمام هانئ وانقضت على الفرس الذين حولها ،
فأثخنت فيهم ومزقتهم ، وقتل كل أبطال فارس الذين أرسلهم
كسرى لإحضار هانئ حياً ، فلما رجعت بعض فلول الفرس إلى
كسرى إذا هم كالفئران الغارقة في الزيت .
وكانت ساحة
ذي قار أرضاً يغطي الزفت والقطران كثيراً من أرضها ، فلما
رآهم كسرى على ذلك الشكل قال لهم : أين هانئ ؟ وأين أبطالكم
الذين لا يعرفون الفرار، فسكتوا فصاح بهم ، فقالوا : لقد
استقبلنا العرب في صحرائهم فتهنا فيها ومات جميع القادة
وخانتنا قبيلة إياد حين رأوا بني جنسهم ، فكاد كسرى يفقد
عقله ، ولم يمضي عليه وقت قصير حتى مات حسرة ، فتولى مكانه
ابنه شيرويه .
وقد حدث
بعض من حضر يوم ذي قار أن قبائل بكر استصحبوا من خلفهم
نساءهم وانقضوا على الجيش الفارسي ، فبرز أحد العلوج وطلب
المبارزة فانقض عليه عربي من بني يشكر اسمه برد بن حارثة
اليشكري فقتله ، وكان هانئ قد نصب كميناً من وراء الجيش
الفارسي ، فانقض الكمين على الملك الجديد الذي كان كسرى
عينه خلفاً للنعمان بن المنذر ، وفي أثناء ذلك أحس العرب
روابط الأخوة التي تنتظمهم ، فانسحب من جيش فارس كثير
من العرب الذين كانوا يعطون ولاءهم لفارس من قبائل تميم
وقيس عيلان فانقضوا على الفرس الذين يلونهم بعد أن كانوا
يدينون بالولاء لهم ، وعرف العرب أنهم كانوا مخدوعين بملك
رخيص كان كسرى يضحك به على بعض أذنابه منهم .
وروي عنه
عليه الصلاة والسلام أنه لما بلغه انتصار قبائل بكر بقيادة
هانئ بن مسعود الشيباني على عساكر الفرس قال : ( هذا أول
يوم انتصف فيه العرب من العجم ، وبي نصروا ) .
والحق أن
انتصار العرب على العجم في ذي قار كان نواة لمعركة القادسية
التي أعز الله فيها قبائل العرب بنور الإسلام ، ونبوة
محمد عليه الصلاة والسلام .
يوم داحس والغبراء
ثم إن مالك
بن بدر- أخو حذيفة - خرج يطلب إبلاً له ، فرماه جندب أحد
بنى رواحة بسهم فقتله ، ومن ثم أخذ الشر يعظم بين عبس
– ويرأسهم الربيع بن ذبيان - وذيبان – ويرأسهم حذيفة بن
بدر- ، وهزمت بنوعبس واتبعتهم بنو ذيبان.
فأشار قيس
على الربيع بن زياد أن يماكرهم، وخاف إن قاتلوهم ألا يقوموا
لهم، وقال: إنهم ليسوا في كل حين يجتمعون، وحذيفة لا يستنفر
أحداً لاقتداره وغلوه، ولكن نعطيهم رهائن من أبنائنا فندفع
حدهم عنا، فإنهم لن يقتلوا الولدان ولن يصلوا إلى ذلك
منهم مع الذين نضعهم على أيديهم، وإن هم قتلوا الصبيان
فهو أهون من قتل الآباء، وكان رأي الربيع مناجزتهم فقال:
يا قيس، أملأ جمعهم صدرك ؟
وقال قيس:
يا بنى ذيبان، خذوا منا رهائن إلى أن تنظروا، فقد ادعيتم
ما تعلم وما لا نعلم ، ودعونا حتى نتبين دعواكم ، ولا
تعجلوا إلى الحرب ، فليس كل كثير غالباً ، وضعوا الرهائن
عند من ترضون به ونرضاه ، فقبلوا ذلك ، وتراضوا أن تكون
الرهائن عند سبيع بن عمرو ( من بنى ثعلبة بن زيد بن ذيبان)
، فمات سبيع وهم عنده ، فلما حضرته الوفاة قال لا بنه
مالك : إن عندك مكرمة لا تبيد إن أنت احتفظت بهؤلاء الأغيلمة
، وكأني بك لو قد مت أتاك حذيفة خالك ، فعصر عينيه وقال
: هلك سيدنا ، ثم خدعك عنهم حتى تدفعهم إليه ، فقتلهم
، فلا شرف بعدها ، فإن خفت ذلك فاذهب بهم إلى قومهم.
فلما ثقل
سبيع جعل حذيفة يبكى ويقول: هلك سيدنا، فوقع ذلك في قلب
مالك، فلما هلك سبيع أطاف حذيفة بابنه مالك فأعظمه، ثم
قال له: يا مالك، إني خالك، وإني أسن منك، فادفع إليّ
هؤلاء الصبيان ليكونوا عندي إلى أن ننظر في أمرنا فإنه
قبيح أن تملك شيئاً، ثم لم يزل به حتى دفعهم إليه باليعمرية.
وأحضر أهل
الذين قتلوا فجعل كل يوم يبرز غلاماً فينصبه غرضاً ويرمى
بالنبل ثم يقول: ناد أباك، فينادي أباه، حتى يمزقه النبل،
ويقول لواقد بن جندب: ناد أباك. فجعل ينادى يا عماه -
خلافاً عليهم – ويكره أن يأبس – الأبس : القهر والحمل
على المكروه- أباه بذلك ، وقال لابن جنيدب بن عمرو بن
عبدالأسلع : ناد جنيبة – وهو لقب أبيه - ، فجعل ينادي
: يا عمراه ! باسم أبيه حتى قتل، وقتل أيضاً عتبة بن شهاب
بن قيس بن زهير. و لما بلغ ذلك بني عبس أخذوا ما كانوا
جمعوا من الديات ، فحملوا عليه الرجال واشتروا السلاح.
ثم خرج
قيس في جماعة ، فلقوا ابناً لحذيفة ، ومعه فوارس من ذبيان
فقتلوهم ، فجمع حذيفة قومه وسار إلى عبس وهو على ماء يقال
له عراعر ، فاقتتلوا وكان الظفر لذيبان ، ورجعت سالمة.
ثم جد حذيفة
في الحرب ، وكرهها أخوه حمل بن حذيفة ، وندم على ما كان
، وقال لأخيه في الصلح فلم يجب إلى ذلك ، وجمع الجموع
من أسد وذيبان وسائر بطون غطفان وسار نحو بني عبس.
ولما بلغ
بني عبس أنهم قد ساروا إليهم تشاوروا بينهم، فقال قيس:
أطيعوني فوالله لئن لم تفعلوا لأتكئن على سيفي حتى يخرج
من ظهري. قالوا: فإنا نطيعك. فأمرهم فسرحوا السوام والضعاف
بليل ، وهو يريدون أن يظعنوا من منزلهم ذلك ، ثم ارتحلوا
في الصبح وقد مضى سوامهم وضعافهم.
فلما أصبحوا
طلعت عليهم الخيل، فقال قيس: خذوا غير طريق المال – أي
غير طريق الإبل-، فإنه لا حاجة للقوم أن يقعوا في شوكتكم،
ولا يريدون بكم في أنفسكم شراً من ذهاب أموالكم، فأخذوا
غير طريق المال. ولما رأى حذيفة الأثر قال: أبعدهم الله
! وما خيرهم بعد ذهاب أموالهم ؟ ثم اتبع المال وسارت ظعن
بنى عبس والمقاتلة من ورائهم، وتبع حذيفة وبنو ذيبان المال،
فلما أدركوه ردّوا أوله على آخره، ولم يفلت منه شيء، وجعل
الرجل يطرد ما قدر عليه من الإبل، فيذهب بها، ثم تفرقوا
واشتد الحر.
فقال قيس
بن زهير: يا قوم ، إن القوم قد فرق بينهم المغنم ، فاعطفوا
الخيل في آثارهم ، فلم تشعر بنو ذيبان إلا والخيل دوائس
– أي يتبع بعضها بعضاً - ، فلم يقاتلهم كبير أحد ، إذ
أن همة الرجال من بني ذيبان كانت أن يحرر غنيمته ويمضي
بها ، ووضعت بنو عبس فيهم السلاح ، وقتلوا منهم مالك بن
سبيع التغلبي سيد غطفان وكثيراً غيره حتى ناشدتهم بنو
ذيبان البقية ، وانهزمت ذيبان وحذيفة معهم.
ولم يكن
لعبس هم غير حذيفة، فأرسلوا خيلهم مجتهدين في أثره، ثم
تبعه قيس بن زهير والربيع بن زياد، وقرواش بن عمرو، وريان
بن الأسلع، وشداد بن معاوية وغيرهم، وقال لهم قيس: كأني
بالقوم وردوا جفر الهباء ونزلوا فيه، وأنا أعلم أن حذيفة
بن بدر إذا احتدمت الوديقة مستنقع في الماء – الوديقة:
شدة الحر-.
وكان حذيفة
قد استرخى حزام فرسه، فنزل عنه ووضع رجله على حجر مخافة
أن يقتص أثره، وعرفوا فرسه فاتبعوه، ومضى حتى استغاث بجفر
الهباء وقد اشتد الحر، فرمى بنفسه ومعه حمل بن بدر وجماعة
من أصحابه، وقد نزعوا سروجهم وطرحوا سلاحهم، ووقعوا في
الماء، وتمعكت دوابهم – أي تمرغت -.
ولما اقترب
منهم قيس بن زهير وأصحابه أبصرهم حمل بن بدر فقال لهم:
من أبغض الناس أن يقف على رؤوسكم ؟ فقالوا : قيس بن زهير
والربيع بن زياد، فقال : هذا قيس بن زهير قد أتاكم ، ولم
ينقض كلامه حتى وقف قيس وأصحابه وحالوا بينهم وبين الخيل
، وحمل جنيدب على خيلهم فاطّردها ، واقتحم عمرو بن الأسلع
وشداد عليهم في الجند ، وهم ينادون : لبيكم لبيكم ، وقال
لهم قيس : كيف رأيتم عاقبة البغي ؟ فقال حذيفة: يا بنى
عبس: فأين العقول والأحلام ؟ ناشدتك الله والرحم يا قيس:
فضربه أخوه حمل بين كتفيه وقال: (اتق مأثور الكلام).
ثم قال
حذيفة لقيس: بنو مالك بمالك، وبنو حمل بذي الصبية ونرد
السبق، قال قيس: لبيكم لبيكم، قال حذيفة: لئن قتلتني لا
تصلح غطفان بعدها أبداً. فقال قيس: أبعدهم الله ولا أصلحها.
ثم إن قرواش بن هني جاء من خلف حذيفة، فقال له بعض أصحابه:
احذروا قرواشاً وكان قد رباه، فظن أنه سيشكر ذلك له، قال:
خلوا بين قرواش وظهري، فنزع له قرواش بمعلبه – وهو نصل
طويل عريض - فقصم به صلبه ، وابتدره الحارث بن زهير وعمرو
بن الأسلع فضرباه بسيفهما حتى أجهزا عليه.
وقتل الحارث
بن زهير حمل بن بدر، واستبقوا حصن بن حذيفة لصباه.
|