أجد نفسي اليوم وأنا أقف عند هذا الباب ، مضطرا إلى طرح
تساؤل غريب كثيرا ما يتبادر إلى ذهني ، وأنا أحاول أن
أحدد الموقع التقريبي لمعرفة ماضي مدينة سطات وناحيتها
.
?إذن : متى ابتدأ تاريخ مدينة سطات ؟
هل يعود إلى ما قبل الفتح الإسلامي ؟ أو يرجع إلى عهد
المولى إدريس ؟ أو يبدأ مع وصول المولى إسماعيل إلى هذه
المدينة ؟
-قبل الإجابة على هذه الأسئلة ، ارتأيت أن أعرف بموقع
المدينة ، وناحيتها من بلاد الشاوية .
-تعتبر مدينة سطات المركز الرئيسي لمجموع الشاوية بعد
أنفا ( الدار البيضاء ) قبل الحماية وبعدها . فهي مدينة
صغيرة ، تتوسطها القصبة الإسماعيلية الموجودة فوق أرض
المزامزة حيث تجاورها قبيلتان ظلتا منذ القدم مرتبطتين
بسطات سياسيا واقتصاديا هما : قبيلة أولاد سيدي بنداود
وقبيلة أولاد بوزيري ، بالإضافة إلى قبيلة أولاد سعيد
.
-فالمدينة يبلغ علوها عن سطح البحر بحوالي 370 مترا ،
وقد بنيت فوق المرتفعات التي جعلت منها محطة قائمة في
قعر هضاب ، تطل عليها من جميع الجهات . كما يخترقها وادي
بوموسى الذي يتكون من فرعين آتيين من خارج المدينة يحملان
إليها من فصل الشتاء مياه العيون المجاورة ومياه الأمطار
. أما القبيلتين المذكورتين فهما الرافدين الطبيعيين للمدينة
والرئتين الاقتصاديتين اللتين تتنفس بهما .
-وعندما يريد الباحث بواسطة الاستقراء والتقصي ، وضع اللمسات
العملية على أحداث تاريخية بعينها ، يلاحظ أن تاريخ سطات
قبل المولى إسماعيل لم يكن واضحا بالقدر الذي يبتغيه الباحث
. فقبل هذه الفترة ، كانت – عين سطات – هي المحطة الرئيسية
لتجمع سكان المزامزة ، حيث كان يعقد السوق الرئيسي ، وكانت
القبائل تقتسم الأراضي المجاورة للعين .
-فقبيلة – الجدور – كانوا يملكون الأراضي الواقعة بين
طريق سيدي البهلول وقيصر ، في حين كانت قبائل أولاد سعيد
، تتقدم إلى حيث العين موجودة .
-أما قبائل أولاد الهبطي ، ففي حوزتهم جميع الأراضي الواقعة
بين طريق أولاد سعيد وطريق برشيد وفوق أرضهم بنيت فيما
بعد القصبة الإسماعيلية والمسجد المجاور لها . والسوق
الكبير ليوم الأحد الواقع على طريق برشيد ، وهو الحد الفاصل
بين أولاد الهبطي وأولاد إيدر . وبقيت العين وما حولها
موزعة بين القبائل ، تستغل للسقي والحرث والرعي . ولم
تشيد فوقها أية فرقة من الفرق المتنازعة، بنايات تميزها
عن غيرها .
-والمدينة عرفت تحولا عمرانيا ملحوظا في عهد السلطان المولى
سليمان ، فأصبح سكان الشاوية واشتوكة وتادلة ، تحت إمرة
القائد الغازي بن المدني العروسي الذي استقر بالمدينة
وجمع حوله عدة عائلات من أولاد أبو رزق الذين شيدوا مساكنهم
داخل المركز . وفي عهد القائد الحاج المعطي ، وبالضبط
في عهد السلطان المولى الحسن الأول ، شيدت وحدات سكنية
وتجارية على جانبي الطريق الرئيسية . كما كانت للمدينة
في ذلك الوقت ثلاثة أبواب ، تغلق ليلا وتفتح في الصباح
الباكر وهي :
1-باب مراكش
2-باب قيصر
3-باب برشيد
-وقد تحدث الفرنسيون بإسهاب عن مدينة سطات في تقاريرهم
السرية والعلنية ، فوصفوا موقعها ومميزاتها ، وذلك عندما
دخلوا المدينة حوالي سنة 1906 . وقد قال عنها الجنرال
* داماد * : كانت تتجلى لنا النزالات التي تغطي عدة جهات
من المدينة . وبقرب القصبة انتصبت أحياء صغيرة ، عرفت
هي أيضا بأسماء مؤسسيها أو ساكنيها مثل :
-حي سيدي بوعبيد
-دشرة أولاد السي الغازي
-حي سيدي المعطي ، وقد أخلته السلطات الاستعمارية ، وجعلت
منه سجنا ومصحة متنقلة .
•وتبدو أمامنا مدينة سطات بيضاء هادئة ، تزينها القصبة
البديعة ، وكذا بعض المساجد التي أقيمت بجوار قبب متفرعة
، شبيهة إلى حد ما ، بمظاهر القرون الوسطى .
•أما الطريق الرئيسي الكبير ، فهو واسع وفسيح ، وعلى جانبيه
عدة دكاكين صغيرة ، يعرض فيها أصحابها سلعهم المحلية ،
وفي الجانب الغربي للمدينة ، تنتصب القصبة الجميلة ، تحاديها
قبة ناصعة البياض ، تعلو الشارع وكأنها تراقبه ، غنها
قبة سيدي لغليمي . ويؤدي الطريق نحو الجنوب إلى بركة ماء
متوسطة الحجم ، وينجه المتحدث صوب الغرب ، قاطعا وادي
بوموسى إلى حي سيدي بوعبيد ، واصفا : الأشجار المخضرة
وباحة المحكمة المغروية بأشجار الزيتون والحامض ، ناهيك
عن موقعها المتميز والذي جعل منها أحسن نقطة بالنسبة لمجموع
أراضي الشاوية .
•وسكان مدينة سطات لا يجهلون هذه الجوانب الجمالية التي
تتجلى بها مدينتهم ، فهم مولعون بكل ما هو جميل ، وكثيرا
ما تتوجه جماعات السكان إلى المرتفعات المجاورة وتجلس
هناك ، لتتملى بتلك المناظر الطبيعية