من
وحي الأدب
من
اختيارات الأستاذ: أحمد صامد
الأثمان:
كــــــــــــــان
رجل يحفر في حقله. وفيما هو يحفر عثر على تمثال
بديع من المرمر الجميل. فأخذه ومضى به إلى رجل
كان شديد الولع بالآثار والعاديات وعرضه عليه.
فاشتراه منه بأبهظ الأثمان.ومضى كل منهما في سبيله.
وبينما كان البائع إلى بيته أخذ يفكر في ذاته
قائلا:" ما أكثر ما في هذا المال من القوة
والحياة ..إنه بالحقيقة ليدهشني كيف أن رجلا عاقلا
ينفق مالا هذا مقداره لقاء صخر أصم فاقد الحركة،كان
مدفونا في الأرض منذ ألف سنة ولم يحلم به أحد."
وفي الساعة عينها كان المشتري يتأمل التمثال مفكرا
وقائلا في ذاته
"تبارك ما فيك من الجمال..تبارك ما فيك من
الحياة.. حلم أية نفس علوية أنت؟ هذه بالحقيقة
نضارة أعطيتها من نوم ألف سنة في سكينة الأرض
.. إنني والله لا أفهم كيف يمكن الإنسان أن يبيع
مثل هذه الطرفة النادرة بمال جامد زائل.
البحار الأخرى:
قالت سمكة لأختها :"يوجد فوق بحرنا هذا بحر
آخر ، وفيه مخلوقات متنوعة تعيش وتسبح كما نعيش
نحن هاهنا ونسبح."
فأجابتها أختها وقالت:" تلك أوهام.. ألا
تعلمين أيتها العزيزة أن كل مخلوق يترك بحرنا
قيد قيراط واحد،ويبقى خارجا عنه،يموت في الحال؟إذن،فما
هي حجتك على وجود أحياء أخرى في بحار أخرى؟".
الطموح:
جلس ثلاثة رجال إلى خوان في حانة.وكان الأول حائكا
والثاني نجارا والثالث حفار قبور.
فقال الحائك لرفيقيه:"قد بعت اليوم كفنا
بديعا من الكتان بدينارين.فلنشرب ما طاب لنا من
الخمر."
فأجابه النجار وقال:"أما أنا فقد بعت أثمن
نعش عندي.فلنأكل أفخر اللحوم مع الخمر."
فقال لهما حفار القبور:"إنني لم أحفر اليوم
سوى قبر واحد.أيها الصديقان، ولكن الذي استأجرني
دفع لي الأجر مضاعفا.فلنستحل بقليل من العسل."
فحفلت الخمارة بهم في تلك الليلة لأنهم طلبوا
الخمر واللحم والعسل مرارا وكانوا يرقصون طربا.
أما صاحب الحانة فكان يتلفت بين آونة وأخرى إلى
زوجته مبتسما وهو يكاد لايصدق ما يراه بعينيه.
لأن ضيوفه الثلاثة كانوا ينفقون المال من غير
حساب.
وظل الأصحاب في الحانة إلى ساعة متأخرة من الليل
يأكلون ويشربون.وبعد أن امتلأوا من كل شيء انصرفوا
وهم يغنون ويضجون.
وكان صاحب الحانة وزوجته واقفين بباب حانتهما
يشيعان ضيوفهما بأنظارهما.فقالت المرأة لزوجها:"حبذا
لو يسعدنا الحظ في كل يوم بمثل هؤلاء الزبائن
الكرماء الشرفاء.فإننا نتمكن وقتئذ من إعفاء ابننا
الوحيد من خدمة هذه الحانة القذرة ونستطيع تعليمه
ليصير في المستقبل قسيسا.
في خيبتي غلبتي:
يا خيبتي،يا خيبة..ياوحدتي وانفرادي..إنك لأعز
لدي من ألف انتصار،وأحلى على قلبي من كل أمجاد
الأقطار.
يــا خيبتي،يا خيبة..
يــامعرفتي لنفسي واحتقاري لذاتي،بك أعرف أنني
لا أزال فتيا سريع الخطى،فلا تغريني أكاليل الغار
الذابلة الفانية.بك قد حظيت بوحدتي وانفرادي وتذوقت
لذة فراري واحتقاري.
يــا خيبتي،يا خيبة..
يا سيفي البتار وترسي البراق.قد قرأت في عينيك:
أن الإنسان متى جلس على عرش الملك فقد صار عبدا.
ومتى أدرك الناس أعماق روحه فقد طوى كتاب حياته.
ومتى بلغ أوج كماله فقد قضى نحبه.
بل هو كالثمرة إذا نضجت سقطت واندثرت.
يـــا خيبتي،يا خيبة..
يا رفيقي الباسل الودود،أنت وحدك تسمعين إنشادي
وصراخي وسكوتي،وليس غيرك بمحدثي عن خفقان الأجنحة
وهدير البحار،وعن قذائف البراكين الثائرة في دوامس
الليالي.
أنت وحدك تتسلقين صخور نفسي الجلمودية الشامخة.
يــا خيبتي، يا خيبة..يا شجاعتي التي لاتموت..
أنت تضحكين معي في العاصفة،وتحفرين معي قبورا
لما يموت مني ومنك،وتقفين معي أمام وجه الشمس
بجلد وثبات،فنكون معا هائلين راعبين.
البحر الأعظم:
ذهبت ونفسي إلى البحر العظيم لنستحم بمائه.وعندما
وصلنا إلى الساحل طفنا نبحث عن مكان مستور عن
الأنظار.
وفيما نحن نمشي رأينا رجلا جالسا على صخرة غبراء
وفي يده كيس يأخذ منه حفنات من الملح ويرمي بها
إلى البحر.
فقالت لي نفسي:"هو ذا المتشائم الذي لا يرى
من الحياة سوى ظلها. فلنترك هذا المكان لأننا
لا نستطيع أن نستحم أمامه."
فتركنا ذلك المكان وسرنا إلى أن بلغنا جونا في
الشاطئ،فإذا برجل واقف على صخرة بيضاء وفي يده
صندوقة مرصعة بالجواهر يتناول منها قطعا من السكر
ويرمي بها إلى البحر.
فقالت لي نفسي:"هو ذا المتفائل الذي يستبشر
بما لا بشر فيه.فيجب ألا يرى جسدينا العاريين."
فتابعنا مسيرنا إلى أن بلغنا إلى شاطئ قريب فرأينا
رجلا يلتقط أسماكا ميتة ويعيدها إلى الماء بعطف
وحنان.
فقالت لي نفسي:"هو ذا الإنساني الشفيق الذي
يحاول إرجاع الحياة لمن في القبور،فلنبتعد عنه."
فعبرنا به وسرنا إلى موضع آخر فرأينا رجلا يخطط
ظله على المياه فتجيء الأمواج وتمحو خطوطه.ثم
يعود فيخططه مرة بعد مرة.
فقالت لي نفسي:"هذا هو ا لمتصوف الذي يقيم
من أوهامه صنما يعبده.فلنتركه."
فخلفناه وراءنا إلى جون صغير في مكان آخر فرأينا
رجلا يكشط الزبد عن سطح الماء ويضعه في كأس من
العقيق.
فقالت لي نفسي :"هذا هو الخيالي الذي يحوك
من خيوط العناكب رداء يلبسه،وهو لا يستحق أن يرى
جسدينا العاريين."
ثم سرنا قليلا فسمعنا بغتة صوتا يقول:"هذا
هو البحر..هذا هو البحر العميق..هذا هو البحر
الواسع الجبار.." فسعينا إلى حيث خرج الصوت.فإذا
برجل قد ولى ظهره شطر البحر ووضع على أذنيه صدفة
كالقرن وقعد يصغي إلى ما ترجعه من الصدى.
فقالت لي نفسي:"سر بنا،فهذا هو الدهري الذي
ينصرف عن الكليات التي تتجاوز فهمه إلى الجزئيات
التافهة التي لا طائل تحتها."
فخلفناه وراءنا وانطلقنا إلى موضع آخر. فإذا برجل
منحن بين الصخور وقد غمر رأسه بالرمل.فقلت لنفسي:"هلمي
يا نفس لنستحم هاهنا لأن هذا الرجل لا يستطيع
أن يبصرنا."
فهزت نفسي رأسها وقالت:"كلا وألف كلا..فإن
هذا الذي تراه هو شر خلق الله.هو الرافضي الخبيث
الذي يحجب نفسه عن مأساة الحياة فتحجب الحياة
عن قلبه."
فبدت إذ ذاك على وجه نفسي أمارات الحزن والأسى،وبصوت
تقطعه المرارة قالت:"هلم بنا ننصرف من هذه
الشواطئ لأنه ليس فيها مكان خفي آمن نستحم فيه.فلن
أرضى أن تعبث هذه الريح بشعري الذهبي،ولا أن يكشف
هذا الهواء عن صدري الناصع،ولا أن يظهر هذا النور
عريي المقدس."
حينئذ تركنا ذلك البحر ناشدين البحر الأعظـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــم.
العالم والشاعر:
قالت الحية للحسون:"ما أجمل طيرانك أيها
الحسون..ولكن حبذا لو أنك تستطيع أن تنسل إلى
ثقوب الأرض وأوكارها.حيث تختلج عصارة الحياة في
هدوء وسكون..".
فأجابها الحسون وقال:"إي وربي،إنك واسعة
المعرفة بعيدتها،بل أنت أحكم جميع المخلوقات.ولكن
حبذا لو أنك تطيرين."
فقالت الحية كأنها لم تسمع شيئا :"مسكين
أنت أيها الحسون ، فإنك لاتستطيع أن تبصر أسرار
العمق مثلي،ولاتقدرأن تتخطر في خزائن الممالك
الخفية.فترى أسرارها ومحتوياتها .أما أنا فلا
أبعد بك.فقد كنت بالأمس متكئة في كهف من الياقوت
الأحمر أشبه بقلب رمانة ناضجة،وأضأل الأشعة تحولها
إلى وردة من نور.فمن أعطي سواي في هذا العالم
أن يرى مثل هذه الغرائب؟.
فقال لها الحسون:-بالصواب حكمت أيتها الحكيمة.
فلا أحد إلاك يستطيع أن يفترش ما تبلور من تذكارات
العصور.وآثار الدهور.ولكن وا أسفاه،فإنك لا تغردين.
فقالت الحية:- إنني أعرف نباتا تمتد جذوره إلى
أحشاء الأرض،وكل من يأكل من تلك الجذور يصير أجمل
من عشتروت.
فأجابها الحسون قائلا:- لا أحد إلاك قد اهتدى
إلى حسر القناع عن فكر الأرض السحري.ولكن وا أسفاه.فإنك
لا تطيرين.
فقالت الحية:-وأعرف جدولا أرجوانيا يجري تحت جبل
عظيم،وكل من يشرب من هذا الجدول يصير خالدا خلود
الآلهة.وليس بين الطير أو الحيوان من اهتدى إلى
ذلك الجدول سواي.
فأجاب الحسون وقال:- بلى والله .فإن في منالك
أن تكوني خالة مثل الآلهة لو شئت.ولكن وا أسفاه،فإنك
لا تغردين.
فقالت الحية:- وأعرف هيكلا مطمورا تحت تراب الأرض
،لم يهتد إليه باحث أو منقب بعد،أزوره مرة في
الشهر،وهو من بناء جبابرة الأزمنة الغابرة,وقد
نقشت على جدرانه أسرار جميع الأزمنة والأمكنة.وكل
من يقرأها ويفهمها يوازي الآلهة في العقل والمعرفة.
فأجابها الحسون قائلا:- أيتها الحكيمة العزيزة،فإنك
لو شئت لاستطعت أن تكتفي بلين جسدك جميع معارف
الأجيال.ولكنك وا أسفاه،لا تقدرين أن تطيري.
فاشمأزت الحية إذ ذاك من حديثه،وارتدت عنه إلى
وكرها.وهي تبربر في ذاتها قائلة:- قبحه الله من
غريد فارغ الرأس.
أما الحسون فطار وهو يغني بأعلى صوته قائلا:-
وا أسفاه،إنك لا تغردين، وا أسفاه يا حكيمتي،فإنك
لا تطيرين.
إبراهيم عبد القادر المازني
قصة قصيرة: "عندما
تناقلت وكالات الأخبار خبر اغتيال عمر بن الخطـاب."
-اختلف المؤرخون في مقتل عمر بن الخطاب رضي الله
عنه.فمنهم من قال"إن أبا لؤلؤة حقد عليه،
لأنه لم يخفف عنه الخراج الذي ضربه عليه سيده
المغيرة بن شعبة."وقال آخرون بل ائتمر به
الهرمزان، وهو قائد فارسي أظهر الإسلام وأضمر
الغدر،وجفينة وهو من نصارى نجران الذين أجلاهم
عمر عن جزيرة العرب. وقد فاتني – لسوء حظي- أن
أشهد هذه الحادثة الضخمة، وتأخرت عتها أكثر من
ثلاثة عشر قرنا. ولو حضرتها لعرفت كيف أقول، ولكنه
لا يجدي الأسف على شيء فات. وما لا يدرك كله لا
يترك كله. وقد وقعت لي "أعداد" من صحف
ذلك الزمن. مثل جريدة "يثرب"وجريدة
"دار الهجرة" وجريدة"العذراء"،
وغيرها من الصحف الأولى التي كانت تصدر صباحا
أو مساء في صدر الإسلام، وأكبرها جميعا "يثرب".
وكانت تظهر في الفجر، فيتخطفها الناس وهم خارجون
من صلاتهم بالمسجد. ولها مكاتبون في الأمصار قاصيها
ودانيها، يوافونها بأخبارها وأحوالها، وسيرة ولاتها
وعمالها، وجلهم- أي المكاتبون- ممن دخلوا مع رسول
الله مكة واشتركوا في حروب الردة، وقاتلوا مع
سعد بن أبي وقاص، وأبي عبيدة، وخالد بن الوليد،
في فتوح العراق وفارس والشام. ومن أجل هذا كانت
الثقة بأنبائهم عظيمة، والاطمئنان إلى صدقهم في
الرواية تامــــــــا.
- ولا عجب بعد ذلك إذا كانت "يثرب"كبرى
الصحف في ذلك العهد وأوسعها انتشارا، وأوثقها
حالا. ومما ينبغي أن يذكر من مفاخر هذه الجريدة،
أن العرب إلى عهد عمر رضي الله عنه كانت تتعامل
بالنقود الفارسية والرومية، فدعت"يثرب"
إلى ضرب نقود عربية وألحت في ذلك
ورأى عمر رضي الله عنه أنها على حق. فأمر فضربت
الدراهم على شكل النقود الفارسية. فلم تقنع"يثرب"
بهذا وطلبت أن ينقش اسم الله تعالى؛ واسم رسوله
تمييزا لها عن نقود الفرس. فاستحسن الخليفة رأيها،
فأمر فكتب على الدراهم:"الحمد لله"
على وجه، و"محمد رسول الله"على الوجه
الآخر. وقد زعم حاسدوها وشانئوها- من الفرس والمغلوبين
على أمرهم – أنها ما دعت إلى ذلك إلا ليسهل بيعها
فينتشر أمرها ويعظم ربحها. وقالوا:ألا تراها قد
أشارت بضرب الدراهم، ولم تذكر الدنانير قط ! فذلك
أن الدراهم خسيسة، ولأن النسخة من جريدة- يثرب-
تباع بدرهم!ولكن هذا طعن الفرس الموتورين فلا
يسمع في العرب.
- على أن من المحقق أن حاجة"يثرب"إلى
سنة تؤرخ بها،هي التي أملت عليها الدعوة إلى وجوب
الاتفاق على سنة معينة للتأريخ منها- غير عام
الفيل وعام الفجار وما أشبه ذلك مما لا آخر له،فكان
أن استشار الخليفة أصحابه في ذلك ،فأشار عليه
علي كرم الله وجهه – على رواية "يثرب"-
باتخاذ السنة التي هاجر فيها الرسول إلى المدينة
مبدأ للتأريخ الإسلامــــي.
- بعد هذا الاستطراد الذي لم نر منه بدا للتعريف
ب "يثرب" ورفعة مقامها،وعلو منزلتها،نقول
إنا وجدنا فيما عندنا من أعدادها وصفا مفصلا لجريمة
مولى المغيرة؛ فرأينا أن ننقله بحروفه حسما للخلاف
وإحقاقا للحــــــــــــــق.
- قالت في ملحق أصدرته ضحى الأربعاء 26ذي الحجة
سنة 23 ه تحت العنوانات الآتية المكتوبة بالخط
الجليل على سبعة أعمدة:"علج فارسي يطعن أمير
المؤمنين وهو يقيم الصلاة.ويصيب 13 رجلا ثم ينتحر.""أهي
مؤامرة فارسية نصرانية؟"تحريات مندوبي –يثرب-الخصوصيين".
ثم قالت الجريـــــــــــــــــــــــدة:
- لم نكد نفرغ من طبع العدد الأخير من – يثرب
- ،وندفع به إلى الباعة،ونذهب إلى المسجد للصلاة؛حتى
فوجئنا باعتداء أتيم مروع من علج من علوج فارس
على حضرة صاحب الجلالة أمير المؤمنين،وخليفة رسول
الله صلى الله عليه وسلم، الفاروق عمر بن الخطاب
وهو يسوي
الصفوف في المسجد،ويهيم بإقامة الصلاة. وهو اغتيال
دنيء وغدر خسيس،تنكره الشهامة،ولا تعرفه العرب،ولو
أن مائة من أمثال هذا العلج الزنيم تصدوا لجلا
لته،وهو يراهم،لخلط عظمهم بلحمهم وأكلهم،وتأدم
بآبائهم وأجدادهم إلى قابيل؛ولكن هذا العلج جاء
من وراء ظهره،وأخذه غدرا وطعنه غيلة،وهو رافع
يديه يكبر للصلاة.
- وقد سبق لنا أن حذرنا الحكومة من هؤلاء الفرس
والنصارى الذين يفدون على مدينة الرسول، فإنها
على وفرة الماء فيها، بالقياس إلى غيرها من بلاد
العرب،يابسة الضرع؛وغيرها من الأمصار التي فتحناها
أخصب،والعيش فيها أرغد..فمجيء هؤلاء الأغراب الموتورين
إلى المدينة وإقامتهم فيها أمر مريب.فما يعقل
أن يطيب لأمثالهم فيها عيش،وهم الذين نشأوا في
ظلال الدعة وألفوا حياة اللين والترف.وهذا ما
جناه السماح لهم بالإقامة بين ظهرانينـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا.
- ودعونا مرارا إلى اتخاذ الشرطة والعسس بالليل،
ومراقبة الأجانب.وقلنا إن خروج الخليفة وليس معه
حارس ول في يده هو سلاح،ونومه في الأحيان الكثيرة
في ظل شجرة أو جدار،لا يخلو من خطر،وأنه تعرض
لا تؤمن مغبته. ولو أنه ليس بالمدينة إلا العرب
لما أشفقنا، ولكن الأغراب كثروا بيننا، وهم من
بلاد داستها جيوشنا، ودوخت أممها، وثلت عروشها.
فهم حاقدون مضطغنون، لا يؤمن غدرهم، ولا يتقى
شرهم إلا بالحيطة والتحرز منهم. وقد صدق ظننا
مع الأسف وليثه خاب ألف خيبة. نسأل الله اللطف
فيما وقـــــــــع.
ثم فصلت الجريدة الحادث كما وقع، فقــــــــــــــــالت:
- "دخل جلا لته ليصلي بالناس على عادته،
وكانت في يده الدرة التي لا تفارقه، فاخترق الصفوف
والناس يفسحون له، ويحيونه بأحسن من تحيته، حتى
صار إلى الصدر، فاستقبل الناس ليقوم صفوفهم وذلك
دأبه، فإن جلا لته يكره الفوضى، ويحب النظام.ثم
ألقى الدرة من يمينه، وكان يسوي بها الصفوف ويشير
للمتقدم أن يتأخر، وللمتأخر أن يحاذي الذي بجانبه.
ثم اتجه إلى القبلة، ورفع يديه وكبر، ولم يكد
صوته الجهوري يرتفع بالتكبير، حتى هجم عليه رجل
ظهر فيما بعد أنه غلام المغيرة، وفي يده خنجر،
وضربه به في كتفه، فانحنى أمير المؤمنين من عنف
الصدمة وقوة الضربة على غير توقع منه، فمال معه
المجرم وكاد يسقط؛ غير أنه اعتمد بيسراه على ظهر
جلا لته، ونزع الخنجر الذي أصاب عظمة الكتف. وكان
جلالته قد تمالك، وذهبت عنه دهشة المفاجأة، فدار
ليواجه المعتدي عليه، فعالجه الجاني بطعنة في
خاصرته؛ وأسرع فنزع، وتشدد جلالته، فضربه بجمع
يده في صدره؛ وهو يقول:"تريد قتلي يا ابن
الفاعلة؟".فارتد المجرم خطوات، ثم كر عليه
يطعنه طعنا سريعا، فسقط أمير المؤمنين على الأرض.
- وكان الناس قد أذهلتهم هذه المباغتة، وأصابهم
منها لأول وهلة كالرعب، فتراجعوا، والتوت صفوفهم
ثم أفاقوا، فصاح بعضهم يطلب الشرطي. وأين هو حتى
يلبي النداء؟. وهجم منهم عليه رهط، فأعمل فيهم
خنجره يضرب يمينا وشمالا كالمجنون. فأصاب منهم
ثلاثة عشر رجلا. وألهم الله بعضهم، فألقى عليه
برنسا- كما يلقى على الجواد الجامح ثوبا- فأعماه
وشل حركته؛ ثم تكاثروا عليه، وأيقن هو أنه هالك
لا محالة، فطعن نفسه فمات .
- وأقبل الناس بعد ذلك على أمير المؤمنين واجمين
محزونين - حتى الجرحى منهم – فردهم جلالته عنه
بإشارة وسأل:"هل فيكم عبد الرحمن بن عوف؟".
فتلفت الناس ينظرون، فإذا ابن عوف يفرقهم ويقول:"نعم
يا أمير المؤمنين" فقال جلالته:"تقدم
فصل بالناس" فكانت دهشة . ولكن عمر هو عمر،
لا يشغله خطب عن دينه وواجبه. ولا يجرؤ أحد على
خلافه لهيبته. فصلى ابن عوف بالناس صلاة خفيفة.
وعيونهم على جلالته، وهو ساكن وادع معتمد على
الأرض بمرفقه، يصلي معهم بشفتيه. ثم أقبلوا عليه
فحملوه، يريدون أن يذهبوا به إلى داره، فقال:"مهلا
، ناولني درتي يا هذا". فناولوه إياها فأخذها
وهو يقول:"أرأيتم مارشالا بلا عصاه؟"فابتسموا
لابتسامته، ولكن دموعهم كانت تتساقط على لحاهم،
وأيديهم التي خضبها دمه الزكي، فنظر إليهم وهم
يبكون وقال يزجرهم:"بل الحمد لله الذي لم
يجعل منيتي بيد مسلم". أما الجاني فهو أبو
لؤلؤة فيروز غلام المغيرة بن شعبة. وأصله فارسي
من نهاوند. وقد كتب إلينا مندوبنا القضائي يقول:"منذ
بضعة أيام جاء فيروز هذا إلى أمير المؤمنين يشكو
إليه أن المغيرة بن شعبة مولاه يشتط في الخراج
الذي ضربه عليه، ويرهقه بما يتقضاه منه،وسأله
التخفيف عنه، فسأله جلالته:"كم خراجك؟"فقال:
- درهمان في كل يوم.
فسأله:
- أو كثير هذا عليك؟
قال:
- نعم وحقك.
قال جلالته:
- دع هذا وقل ما صناعتك؟.
قال الغلام:
- نحاس ونقاش وحداد.
فقال جلالته:
- ثلاث صناعات في يدك، وتشكو رقة الحال، وتستكثر
درهمين؟ كلا ليس خراجك بكثير على ما تصنع من أعمال.
وأعرض عنه. وقد يؤخذ من هذا أن فيروز حقدها على
جلالته وأسرها في نفسه، وأضمر أن ينتقم. ولكنا
لا نعرف أن الناس يقتل بعضهم بعضا من أجل درهمين،
فكيف باغتيال خليفة؟. ثم إن تحرياتي تدل على أن
الأمر كان مبيتا بليل. فقد حدثني عبد الرحمن بن
أبي بكر؛ وهو- ثقة- أنه رأى عشية أمس الهرمزان
الفارسي وجفينة النصراني وأبا لؤلؤة هذا يتناجون،
فلما رأوه اضطربوا وسقط من أحدهم خنجر له شعبتان،
يقول ابن أبي بكر، إنه نفس الخنجر الذي ضرب به
أبو لؤلؤة أمير المؤمنين. فبما ذا كانوا يتناجون
في غلس الليل، وهذا فارسي أعجمي، وذاك نصراني
عربي، وثالثهم مملوك المغيرة؟ وماذا جمع العربي
النصراني، والفارسي المجوسي وإن تظاهر بالإسلام؟
- ومعروف أن الهرمزان هذا كان من قواد الفرس الذين
هزمهم سعد بن أبي وقاص، وقد أظهر الإسلام لينجو
بجلده وخان المسلمين مرارا، ثم زعم أنه ثاب، ومثله
خليق أن يبطن العداوة للعرب، وألا يغفر لهم أنهم
مزقوا عرش الأكاسرة، وغلبوهم على بلادهم ومجوسيتهم
وسووا بين الناس، فلا سيد ولا مسود، ولا شريف
ولا وضيع.
- أما جفينة، فأمره مشهور، وهو نصراني من نجران
أتى به سعد بن أبي وقاص ليعلم الناس الكتابة..فيا
سوء ما أتى به سعد من هذا.. وقد كان أمير المؤمنين
خاف انتقاض النصارى في نجران عليه، وهو في حرب
الفرس والروم، فأجلاهم عن جزيرة العرب ثم عوضهم،
وأوسع لهم من الأرض في الشام والعراق، وأعطاهم
خيرا مما تركوا، ثم هزم المسلمون جيوش هرقل وهو
حامي النصرانية، فجفينة لاريب مضطغن لذلك، وقد
وجد في الهرمزان حليفا نصيرا، وفي فيروز وهو فارسي
كالهرمزان، أداة لارتكاب الجريمة المدبرة.
- وهذا هو الذي عليه الرأي العام، ولو ترك الناس
لرأيهم وخلي بينهم وبين ما يريدون، لفتكوا بالفرس
والنصارى وشربوا دماءهم، فإن النفوس فائرة، والصدور
مضطرمة، لكنهم يكبحون أنفسهم، ويحملون عليها،
ويردونها على مكروهها، احتراما لأمير المؤمنين،
وانتظارا لما يفعل، شفاه الله وعافــــــــــــاه.
- بل هذا هو رأي أمير المؤمنين نفسه، فقد اجتمع
جلالته في داره بعد أن حمل إليها، والمهاجرين
والأنصار، فقال لابن عباس وكان معه:
- اخرج إليهم فاسألهم أعن ملأ منهم ومشورة كان
هذا الذي أصابني؟. فعاد إليه ابن عباس يقول:
- إن القوم يقولون:- لا والله، ولوددنا أن زاد
الله في عمرك من أعمارنا. فقال جلالته:
- إذن أبرق إلى العراق وفارس وأنبئ العمال بما
كان، وحذرهم أن ينتقض الناس على غرة منهم، فما
يدريني ويدريك، لعله تدبير من هناك..
- وقد أرسلت البرقيات اللاسلكية إلى عمال الأمصار
بالاستعداد لكل طارئ، فلا خوف من هذه الناحية،
فإن قواتنا كافية لقمع ما عسى أن ينجم من الفتن.
- وعند مثول هذا الملحق للطبع أبلغنا مندوبنا
ما يأتي تلفونيا:
-( عرفتم أن المجرم أبا لؤلؤة، عليه لعنة الله
وملائكته، أصاب ثلاثة عشر من المصلين بخنجره؛
كانوا يحاولون القبض عليه وانتزاع الخنجر منه،
فالآن أقول: إن سبعة منهم كانت جراحهم خطيرة،
فتوفوا من النزف وسيجهزون للدفن، وتشيع جنازتهم
بعد صلاة العصر باحتفال كبير؛ يمشي فيه المهاجرون
والأنصار والبدريون. وقد أمر جلالة الخليفة بأن
ينوب عنه في تشييع الجنازة صهيب. أما الستة الآخرون،
فجراحهم خفيفة. وقد بعث إليهم جلالة الخليفة بابنه
عبد الله بن عمر ليعودهم ويستفسر عن حالهم، فشكروا
له هذا العطف السامي، ودعوا الله أن يعجل بشفائه.
هذا وقد فحص الطبيب الشرعي الخنجر، فتبين أنه
مسموم، فلا حول ولا قوة إلا بالله...وأذيعت نشرة
طبية موجزة، جاء فيها أن الإصابات ست؛ في الكتف
والخاصرة والظهر، وأن النزف منها شديد، وقد سقي
جلالته لبنا، فخرج من إحدى الطعنات أبيض كما هو،
فنصح الطبيب لجلالته بأن يعهد، تولانا الله برحمته.)
- صدر العدد الثاني من "يثرب" مجللا
بالسواد، وفيه نعي أمير المؤمنين إلى العالم الإسلامي،
ورثته رثاء طويلا، ولخصت سيرته في الجاهلية والإسلام،
ولا نحتاج أن ننقل من هذا شيئا، فإنه معروف، ووصفت
تجهيزه للدفن، وتشييع جنازته، والصلاة عليه بالمسجد،
وحمله على سرير رسول الله صلى الله عليه وسلم،
ودفنه معه إلى جانب أبي بكر الصديق، وسردت أسماء
المشيعين من الأنصار والمهاجرين وغيرهم، وروت
فيما روت أن عليا وعثمان تقدما للصلاة عليه، فردهما
ابنه عبد الرحمن وقال منكرا عليهما ذلك:"لا
والله! ما أحرصكما على الإمرة! أما علمتما أن
أمير المؤمنين قال: ليصل بالناس صهيب؟ وأثبتت
تصريحاته قبل موته لابن عباس، ووصيته لمن يخلفه،
وقالت إنه دفع بها إلى ابنه عبد الله وقال له:
إذا اجتمع الناس على رجل - أمير المؤمنين – فادفع
إليه هذا الكتاب وأقرئه مني السلام، وما أمر به
في اختيار خليفته وما أوصى به أبا طلحة الأنصاري،
والمقداد بن الأسود، وكل هذا مشهور فلا داعي لنقلـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه.
- ولكن حادثا وقع بعد ذلك، تعد"يثرب"
مسئولة عنه، فقد ذهبت إلى أن قتل عمر كان عن تآمر
من جفينة النصراني والهرمزان الفارسي، وأنهما
هما اللذان أغريا أبا لؤلؤة بقتله، وروت ما شهد
به عبد الرحمن بن أبي بكر وغيره في ذلك، وأيدت
بالدليل العقلي، فهاج عبد الله بن عمر ومضى إلى
ابنة أبي لؤلؤة فقتلها، ثم إلى جفينة والهرمزان
فألحقهما بهما، انتقاما لأبيه، ولم يكفه هذا،
فهم أن يقتل رجلا من الأنصار والمهاجرين، ظنهم
شركاء في دم أبيه، وشاع عزمه على ذلك حتى بلغ
صهيبا. ولم يكن الذين وكل إليهم التشاور في أمر
الخلافة قد فرغوا. فبعث صهيب عمرو بن العاص إلى
عبد الله، وكان عمرو داهية، فلم يزل يحاوره، ويداوره،
ويمسح عنه في الذروة والغارب حتى سكنت نفسه، فأخذ
منه سيفه، ثم جاء سعد بن أبي وقاص، فقبض عليه
وحبسه في داره.
- ولما تولى عثمان بن عفان الخلافة، استشار أصحابه
في أمر عبد الله بن عمر، فأشار بعضهم بقتله في
من قتل، ولكن آخرين استنكروا أن يقتل الأب بالأمس
ويقتل الابن اليوم، ووجد عمرو بن العاص مخرجا
من هذه الورطة فقال لعثمان:
"يا أمير المؤمنين، إن الله قد أعفاك أن
يكون هذا الحدث كان، ولك على المسلمين سلطان،
إنما كان هذا الحدث ولا سلطان لك"
- أي قبل أن تكون خليفة، فمال عثمان إلى الرأفة،
ورفض رأي علي بن أبي طالب، وكان يذهب إلى قتل
عبد الله بن عمر، وقال عثمان:"أنا وليهم،
وقد جعلتها دية، واحتملتها في مالي"
- وقد أثنت "يثرب" على مشوار ابن العاص،
ومروءة عثمان بن عفان، وقالت إن هذا درس عسى أن
ينفع العجم والنصارى، فيصرفهم عن الآم مرة أخرى.
ولكن فريقا من الأنصار كتبوا إليها يفندون رأيها،
ويقولون:"إن الواجب كان أن يقتل ابن عمر"
فكان هذا أول خلاف في عهد عثمان. ولم ننقل هذا
إلا لأن الفريق الذي طالب بقتل ابن عمر، كذب ما
روته"يثرب" في ملحقها من أن أبا لؤلؤة
قاتل عمر قد انتحر لما كثر عليه الناس، وأيقن
من الهلاك، وأكد أنه لم ينتحر، وإنما ثار عليه
رجل من المصلين فقتله وأخذ منه الخنجر. وكذب أيضا
أن الخنجر كان مسموما، ولم يحفل بما قاله الطبيب
الشرعي في ذلك، وقال إن ستة ممن طعنهم أبو لؤلؤة
بخنجره هذا شفوا ونجوا. ولو كان الخنجر مسموما
لماتوا. وإنما مات من مات لإصابته في مقتل، أو
من شدة النزف.
وطال الحوار والأخذ والرد بين"يثرب"
ومخالفيها في الرأي، حتى لأنكروا عليها أن الحدث
كان من تآمر، واستهجنوا منها أن تحض على اضطهاد
العجم والنصارى. وقالوا إن هذا التحريض من سوء
الرأي، وأنه خليق أن يفسد أمور الدولة، ويخلق
لها متاعب هي في غنى عنها في عهد التأسيس. وأنه
توجد عصبيات لا يؤمن شرها في المستقبل.. وتفاقم
الخلاف بين الفريقين، حتى لدعا علي كرم الله وجهه
الخليفة إلى إغلاق "يثرب" أو على الأقل
تعطيلها حتى تقر الفورة، وتهدأ النفوس، ولكن الخليفة
شق عليه أن يصيب حرية الرأي في عهده أي سوء، فاكتفى
بالنصح لجريدة"يثرب" ألا تسرف في دعايتها
وأن تتقي اللجاجة، وما قد تجر إليه من الفتنة.
- وقد آثرنا التلخيص، لأن النقل يطول والقارئ
أدرى بالصحف، وكيف تبدئ وتعيد، حتى تعكر الجو
وتضجر وتغثي. وقد بلغ من تفرق الرأي في ذلك الوقت
أن الناس كانوا يجلسون في المسجد حلقات، وفي أيديهم
أعداد "يثرب". فهذا يؤيد وذاك يعارض
ويكذب. حتى خيفت الفتنة، وحسبنا هذا القـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدر.
إبراهيم عبد القادر المازني
شذرات
أدبية
من أشعار النســــــــــــــــــــــــــــــــاء:
لبيت تخفق الأرواح
فيـــــــه أحب إلي من قصر منيــــــــــــــــــف
وبكر يتبع الأظعان سقبـــــا أحب إلي من بغل زفــــــــــــــــــــوف
وكلب ينبح الطراق عنـــــي أحب إلي من قط ألــــــــــــــــــــــوف
ولبس عباءة وتقر عينــــي أحب إلي من لبس الشفـــــــــــــــوف
وأكل كسيرة في كسر بيتـي أحب إلي من أكل الرغيــــــــــــــــــف
وأصوات الرياح بكل فـــــج أحب إلي من نقر الدفـــــــــــــــــــوف
وخرق من بني عمي نحيف أحب إلي من علج عليــــــــــــــــــــف
خشونة عيشتي في البــــدو أشهى إلى نفسي من العيش
الطريـف
فما أبغي سوى وطني بديلا فحسبي ذاك من وطن شريــــــــــــف
( ميسون بنت
بحدل، شاعرة بدوية تزوجها معاوية بن أبي سفيان)
عمــــــــــــــــــــــــــر
يعين الولاة:
جمع عمر بن الخطاب الولاة، وسأل أحدهم:"ماذا
تفعل إذا جاءك الناس بسارق أو ناهب؟"قال
الوالي:" أقطع يده". فرده قائلا:"
إذا فلتعلم أنه إذا جاءني جائع أو عاطل، فسوف
يقطع عمر يدك يا هذا!.. إن الله تعالى قد كرمنا
بهذه الأيدي لتعمل، فإذا لم تجد لها في الطاعة
عملا، التمست في المعصية أعمالا...فاشغلها بالطاعة
قبل أن تشغلك بالمعصية"
ثم وجه الخطاب إلى سائر الولاة قائلا: "إن
الله استخلفنا على عباده لنسد جوعهم، ونستر عورتهم،
ونوفر لهم حرفتهم، فإن أعطيناهم ÷ذه النعمة، تقاضيناهم
شاكريـــــــــــــــــــــــــــــــــن.
من
مأثور جبــــــــــــــــــــــــــــــــــران:
* ويل لأمة تنصرف
عن الدين إلى المذهب، وعن الحقل إلى الزقاق وعن
الحكمة إلى المنطق.
* ويل لأمة تلبس مما لا تنسج، وتأكل مما لا تزرع،
وتشرب مما لا تعصـــــــــــــــــــــــــــر.
* ويل لأمة مغلوبة، تحسب الزركشة في غالبيتها
كمالا والقبح فيهم جمـــــــــــــــــــــــــــــــالا.
واجبات
نحو الوطــــــــــــــــــــــــــن:
* على الذين يعيشون في وطن واحد واجبات نحو هذا
الوطن؛ أن يحافظوا على أرضه، وعلى وحدته الوطنية،
وأن يقبلوا التحدي الحضاري الداعي إلى التقدم،
وأن يبذلوا الجهد متعاونين.
* إن الاختيار بين الثنائيات، في ذاته قيد، فلعل
وراء الثنائيات فكرا ثالثا أو رابعا، هو استثمار
أفضل ما في الحاضر لبناء المستقبل..
د- عبد العزيز كامل
لمـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاذا؟:
*لماذا خبا المصباح؟... لقد أحطته بردائي لأقيه
من الريح. لهذا خبا.
*لماذا ذبلت الزهرة؟... لقد ضممتها إلى قلبي بقلق
وحب. ولهذا ذبلت.
*لماذا جف الغدير؟... لقد اعترضت مجراه بالسدود
ليكون لي وحدي. لهذا جف.
*لماذا انقطع وتر القيثارة؟... حاولت أن أوقع
عليه لحنا يفوق طاقته. لهذا انقطع.
طــــــــــــــــــــــــاغور
بيتــــــــــــــــــــــــــــــــــي:
*بيتي على حدود الأبد- لو أنه كان للأبد حدود-
وليس هو بيتي وإن كنت ساكنه، وما أعرف لي شبر
أرض في كل هذه الكرة. ولقد كانت لي قصور- ولكن
في الآخرة- بعت بعضها،والبعض مرهون بحينه من الضياع،
ووقفت معلقا بين الحياتين، كما سكنت على تخوم
العالمين.
إبراهيم عبد القادر المازني- حصاد الهشيم-
بين
المحـــــــــــــــال واليقيــــــــــــن:
إذا قلت المحال
رفعت صوتي وإن قلت اليقين أطلت همسي
أبو العلاء المعري
إشراقـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــات:
*المشاعر المرهفة جحيم العصر الحديث.
*الأكوام التي نتستر بها تخفي عنا جمال الجبال
والوديان.
*كثيرا ما يختلط الأمر عما إذا كان ناتجا من تباين
وجهات النظر،أو اختلال في النظر ذاته.
*نتقبل الفرص الضائعة بالندم المغموس في الفضائل.
*مسألة لا اختيار لنا فيها... أن نستقبل شروق
الشمس معا..ونواجه غروبها بمفردنا. - محمد مستجاب-
في العزف والذبح
والخطف والرسم الجميل:
* تعتبر اليد
أخطر جهاز تنفيذي في الإنسان وبعض الأحياء الأخرى،
وهي بأصابعها تختصر سماته الأساسية من جمال وشراسة
ونظافة ونعومة وخفة وذكاء. تحدد المجال الجغرافي
الذي يمكن للإنسان أن يعمل فيه. وعندما تصيبها
العوائق تبدأ الأجهزة الأخرى في إعادة صياغة نفسها.
وقد يقضي الإنسان عمره تحت وطأة إعادة الصياغة.
وستظل اليد العليا تعبيرا أثيرا من النظافة والفضل
والأخلاق الكريمة.
* وأخطر يد تلك التي تفتل أصابعها خيوط المشانق،
أو تشعل النيران، أو تمتد إلى دمعة تمسحها من
فوق خد المحزون. لكنها هذه اليد – تصل إلى شموخها
– حينما ترتفع إلى أعلى الأعلى رافعة لواء الوطن،
أو متوسلة الطريق إلى اجتزاء المصدر الداخلي للألم،
أو متلمسة أوتار الموسيقى، أو معترفة بالإقرار
كتابة عن حق لا يعرف طريقه أحد، أو مشيرة إلى
ما قد يغيب عن الآخرين من أخطار.
* وعبقرية اليد في أصابعها، ولها سحرها في الرسم
والنحت والتدوين وكتابة الخط الجميل وفي النشل
من الجيوب، وفي التشبث بالصيد وفي حياكة الملابس
والمؤامرات، وخدع السحرة، والذبح والسلخ وخلع
ذوي المناصب الكبرى. وهي قادرة على إبراز الإعجاب
والاستحسان والرفض والقبول والتصفيق. ودراياتها
معروفة في حك مصباح علاء الدين لإطلاق العفاريت
والصواريخ والهيمنة على عجلات قيادة الطائرات
والسيارات والجماعات والأفراد وسفن الفضاء، وخيول
الأرض، والتقاط الديدان، وحفر القبور، واقتطاف
الورد وبعثرة الأموال، ونقب الحوائط، وتغيير صمامات
القلوب، والسطوة على النساء والقوانين، وقطع الحبل
السري للولائد. وتصل إلى قمة براعتها في التدليس
والتزوير، وبناء الشواهد وفقء العيون، وإعادة
صياغة التاريــــــــــــــــخ.
* وأشهر الأيدي استعمالا للسيوف عند خال بن الوليد
وعمرو بن العاص، وفي إطلاق النار عند أرسين لوبين(اللص
الظريف)، وفي تقليب جيوب الآخرين عند علي الزيبق،
وفي فتح مغاليق الغموض عند شرلوك هولمز، وفي العزف
عند روبنشين شيطان البيانو، وعند الريس مثقال
في العزف على الربابة، وفي العزف على الكمان عند
الإيطالي فيفالدي، والمصري أحمد الحفناوي. وفي
العزف على العود عند الأسباني رودريكو، والعربي
الشهير فريد الأطرش، وجورج ميشيل، وفي الإمساك
بعصا قيادة الاوركسترا عند الأرميني كرايــــــــــــــــــــــــــــان.
* وقد انتهى العصر الذي كانت اليد فيه ترتاح لتضميخها
بالحناء في الليلة السابقة على ليلة الهناء، وأصبحت
نظيفة كريمة خاوية كيد حاتم الطائي، وانتهى بها
الأمر إلى نوع من المبارزة أو المصارعة أو الملاكمة،
حتى ولو كانت مناسبة كأيدي راقصي الباليه وممثلي
البانتوميم، أو رءوما كالأيدي الممسكة بالطباشير
تخط على السبورة السوداء ألف باء للأطفال، أو
معقدة كتلك التي تستخرج من الكمبيوتر معلومات
وبيانات مجهدة للعقل، أو هذه التي تمارس في عبقرية
مستترة إخراج الصفحات المطبوعة كل ساعة في جميع
أنحاء الأرض، وهي التي تسبغ على حياتنا نوعا من
الجمال اليومي المريح. لقد نجحت أحبار وألوان
المطابع في احتلال المساحة التي كانت متاحة من
اليد للحناء، دون اهتمام بفلسفة ليلة الهنا المأمولة
دائمـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا.
- محمد مستجاب -
الزمن الحنون العطوف ذو الأنامل
الشرسة الغامضة:
*الزمن هو هذا
الامتداد السرمدي الواضح الغامض الساخر المبهج
المرعب. تدور حوله علوم الفلسفة والطبيعة والأديان
والطب والتاريخ والأساطير، علها تجد ثغرة تصل
بها إلى معنى محدد أو إدراك واضح. ينام على الأرض
فوق طبقات جيولوجية كما تستريح القشدة فوق الفطيرة
المتقنة؛ يحب الحكايات والاختراعات والأكاذيب
والدم والبساتين والدمار،يبدو حنونا عطوفا، وأنامله
تفصل الحبل السري للوليد عن والدته، ليسحبه من
بين الأثداء والأحضان، ويلقي به إلى الدروب والمدارس
والحقول، والنساء والأولاد والمحاكم والمصانع.
ثم يصنع من هذا الحبل السري كتلا من غضون ذات
ملامح مرهقة تسعى للنهاية الغامضة. أقام للتاريخ
ممالك، ثم اقام للممالك تاريخا. وظل يضحك دون
اهتمام بمشاعر علم الاجتماع. وليس صحيحا أن المصريين
القدماء، وغيرهم من قدماء، تحدوا الزمن بهذه الصروح
العتيدة الشامخة؛ كما يحلو للبعض أن يصف في كتبه
وأحاديثه. أما الصحيح أن الزمن ترك على الأرض
نشارا من فتات مائدة ضخمة يقيمها بين الحين والحين
لأصدقائه وندمائه الذين لا أعرف عنهم شيئا في
هذا الكون الواسع المذهل. وقد تمدد الزمن في اللغة
العربية ليصبح زمــــــــــــــــــــــــانا،
ولعلها اللغة الوحيدة التي تعاملت معه بهذين اللفظين،
فالزمن يكاد يعطيك حقبة محدودة، أما الزمان فيخرج
على كل الأحقاب. وظل العلماء يناورون الزمن أزمانا
طويلة حتى نجح أنشطين في إدماجه داخل نظرية واحدة
ليصبح البعد الرابع لأبعاد الفراغ الثلاثة: الطول
والعرض والارتفاع، اختصار ضروري وشديد الإخلال،
لكن "ما باليد حيلة". لكن العقل العربي
العامي – ودون اهتمام بأنشطين أو نيوتن – دمج
الزمان في المكان ، حينما يدعو على عدوه:"يخرب
بيت سنينك". وعبقرية اللغة هذه جعلت البيت
– المكان- يحتوي السنين –الزمان – لحساب الخراب؛
أي الطاقة تساوي الكتلة في مربع سرعة الضوء. وهو
القانون الخاص الذي قامت على أساسه صناعة القنبلة
الذرية لتكون"هيروشيما" في اليابان
هي المقصودة بخراب بيت السنين أولا ثم "ناكازاكي"
ثانيا. والقرآن الكريم هو الكتاب الزماني المكاني
السرمدي الوحيد المعروف منذ خمسة عشر قرنا وهو
وعاء العقل الإنساني. وجاء الفلاسفة المسلمون
ليجاهدوا تحليقا وتطويعا في الزمان. وكان منهم
المتصوفة والزاهدون الذين حاولوا التخفيف من الحركة
والكتلة والرغبات لحساب الزمن، غير أن البشر العاديين
توقفوا في إدراكهم عند حدود الزمن التاريخي الذي
تتوالى فيه الأحداث والوقائع والنتائج لتحملها
صفحات الكتب، وسبورات المدارس وأناشيد الرعاة
وأساطير الهائمين في الخيال الواسع؛ والذي أدى
بالعالم المعاصر إلى فلسفة الوجود والعدم؛ تأسيسا
على الزمن الوجودي الذي دبجه الألماني شوبنهاور
وترجمه العالم العظيم عبد الرحمن بدوي. وقد قرأته
ولم أستطع أن أدرك ما فيه بعقلي المحدود والقاصر.
ذلك أن الزمن عندي تبلور في الزمن الأخير إلى
زمن روائي؛ يتألق فيه التعبير اللغوي في ساحة
الواقع المدرك وصولا إلى الوجدان العام،"هل
فهمت شيئا؟؟" . مع مراعاة تفادي التصادم
مع السلطة الكريهة التي تضع توقيعها على كل الأوراق
في جيبك، والتي تجيز لك حق الحركة والميراث والتوريث
والاقتناء والزواج والاحتكام والسفر والمحاكمة
والحصول على الماء والهواء والنقود والأولاد،
والبحث عمن يحمل المحفة التي ننام فيها قريري
العين على خشبتها؛ لنتيح للآخرين صراخا يختبرون
فيه الزمن الصوتي الذي تتطلبه فنون الموسيقى.
وقد أثمرت المحاولات المرهقة التي قام بها المخترعون
والمناضلون والأدباء والمفكرون إزاء الزمن، عن
سجادة ثمينة صغيرة يلعبون في ساحتها؛ سجادة الخلود.
وقد رضوا بها ورضيت بهم، وأشبعت فيهم تلك النرجسية
المزمنة، لكنهم لم يتوقفوا عن استعداء الزمن وصب
نقمتهم عليه حتى اكتشف أحدهم – وهو عربي -: أننا
نعيب زماننا والعيب فينا وما
لزماننا عيب سوانا
فظل الزمن يضحك حتى ظهرت أنيابه، فتوقف الجميع
رعبا من هول سطوته الباطشة.