نجم .. من الذاكرة
أحمد
الخميسي
10 سبتمبر 2005
(1)
لسبب ما ، أراني
أحيانا جالسا وحدي أفتش عن صور أصدقائي ، كأني
أفتش عن سنوات من عمري . بعضهم أجده ، بعضهم أفتقده
ولا أرى له صورة معي . وأتأسف الآن كثيرا لأنه
ليس لدي صورة مشتركة مع الراحل أمل دنقل ، أو
يحيي الطاهر عبد الله ، وكانت تصلني بهما صداقة
وثيقة امتدت لزمن . وحين أبحث في " ركن الصور
" أرى خالتي وأولادها في رأس البر على الشاطئ
منذ ثلاثين عاما ، وأرى صور بعض من كانوا يدرسون
معي ، ولكني لا أعثر على صورة واحدة مشتركة مع
أحمد فؤاد نجم ، شاعر الشعب المصري ، مع أن معرفتي
به بدأت عام 1965 ، جمعني به عمل ، ثم فترة من
القلق العجيب الذي مرت به مصر بعد النكسة ، ثم
سجن القناطر . المرة الأخيرة التي التقيت فيها
بنجم كانت في مظاهرة في ميدان طلعت حرب وسط القاهرة
، أواخر يوليو هذا العام ، وهي أول مظاهرة تنظمها
حركة " أدباء وفنانون من أجل التغيير "
التي كان نجم أحد مؤسسيها ، والداعين إليها مع
بهاء طاهر وآخرين . أقبل على نجم من طرف الميدان
بجلبابه ، وضحكته ، وبجواره ابنته الصغيرة التي
سألته عنها ذات مرة فقال لي : هذه مكافأة نهاية
الخدمة !
لسبب ما ، تذكرت
في زحمة المظاهرة ، أنه ما من صورة عندي لنجم
. فأخذت أراجع صوره داخل نفسي.
(2)
عام 1964 ، وربما
65 ، تركت العمل في مجلة الإذاعة والتلفزيون من
شدة الملل العالق في أوراقها وغرفها إلي منظمة
التضامن الآسيوي الأفريقي وكان مقرها فيلا في
المنيل تطل على النيل . في اليوم الأول دلوني
على الغرفة التي سأجلس فيها ، وكانت تقع في الطابق
الأخير تحت الشمس مباشرة ولها نافذة تطل على السطح
. وكان بالغرفة الضيقة ثلاثة مكاتب ، واحد لي
، والثاني لأمل دنقل ، والثالث لأحمد فؤاد نجم
، ولم أكن أعرفه بعد . كان أمل جالسا غاضبا من
العالم ونظام الحكم وقلة الفلوس وكثرة القصائد
، وضخامة أحلامه، وشعوره الحاد بكرامته. أحمد
نجم ظهر فجأة ، ليس عند باب الغرفة كما توقعت
، ولكن حين قفز من السطح عبر النافذة إلي داخل
الغرفة ! وفرد أمل دنقل ذراعه قائلا لي : أحمد
نجم ! في تلك السنة على الأقل لم يكن أحد يعرف
اسم لا نجم ، ولا أمل دنقل سوى قلة قليلة ممن
يكتبون . وكان أمامي طيلة الوقت نمطان مختلفان
تماما لشاعرين مهمومين تماما بالدرجة نفسها بقضايا
الوطن ، لكن كل بطريقته . كان نجم كثير الغياب
، أما أنا وأمل دنقل فقد احترفنا الذهاب مبكرا
في موعد العمل ، والتوقيع ، ثم الخروج إلي مقهى
في شارع جانبي لنتسلى بلعب الطاولة ، أو أجلس
أنا أتصفح الجرائد ، بينما يزوم أمل وهو يسجل
أبياتا من قصيدة بقلم رصاص ، إلي أن يحين موعد
التوقيع في دفتر الانصراف . فننهض لنوقع وننصرف
! . وكانت الشكاوي من غيابنا نحن الثلاثة تنهال
على يوسف السباعي رئيس المنظمة حينذاك ، فجمعنا
ذات يوم أنا ونجم ودنقل ، وأغلق باب حجرته الكبيرة
، وأقسم أنه سيرسل إلي كل منا راتبه الشهري حتى
باب البيت ، شرط ألا نريه وجوهنا الكريمة مرة
أخرى ! وسأله أمل بكبرياء : وما الذي حدث ؟ .
فكاد السباعي أن يجن صارخا : ماذا حدث ؟ لا شئ
، سوى أنكم ستفسدون على كل عمل المنظمة ، لأن
الجميع يتساءلون : لماذا يغيب أولئك الثلاثة كما
يحلو لهم ؟ هل هم أفضل منا ؟ . وحينذاك تقدم أحمد
نجم إلي مكتب السباعي وقال له : لكن ماذا ستفعل
إذا تمسكنا بأداء واجبنا والحضور للعمل ؟ قال
السباعي : سأفصلك من العمل يا نجم وأستريح منك
نهائيا . وتجهم وجه نجم كأنه يفكر في موضوع خطير
وقال له : لكن هذه ستكون المرة الثالثة التي تفصلني
فيها، وسوف يلزمنا بعد ذلك – لكي أعود إليك مجددا
– محلل ! ولم نستطع أن نمسك أنفسنا عن الضحك ،
ونحن نرى وجه السباعي مبتسما مغتاظا .
(3)
خلال تلك الفترة
تعرفت بنجم ، وأخذت أتردد على بيت " حوش
آدم " الشهير ، وكانت النكسة قد وقعت وقصمت
ظهر ذلك الجيل بأكمله ، ولم تكن هناك لا أحزاب
معارضة ، ولا أحزاب سرية ، ولا يحزنون . مجرد
فراغ يسبح فيه القلق على مصر، ومراجعة باطنية
لأسباب النكسة ، وتعلق بعبد الناصر ، ومرارة نحوه
. كان نجم حينذاك يرتدي مثل كل خلق الله قميصا
وسروالا ، ولم يكن قد وقع في عشق الجلابية التي
يرتديها الآن ، وكان يكتب القصائد كأنما في الحلم
، إذ كان يقضي أغلب وقته بين أصدقائه ، أو في
شققهم ، أو في الشوارع . متى كان يكتب ؟ لا أدري
، ومتى عكف على كل تلك القصائد التي شكلت الرفض
في وجدان ذلك الجيل؟ لا أحد يعرف . وحين برزت
ظاهرة " الشاعر المغني – نجم ، والشيخ إمام
" شغلت مصر كلها ، ليس فقط لأن شيئا عبقريا
اتضح في تلك الحالة ، ولكن لأن تلك الظاهرة كانت
الحزب السياسي الوحيد بعد النكسة ولسنوات طويلة
أخرى . وكنا جميعا ، كلما حدث شئ ، أو وقع تغير
سياسي ، نسأل : وماذا كتب نجم ؟ . ونسرع إلي "
حوش آدم " حيث نتلقى المنشور الفني الجديد
، فنحفظه ، ونوزعه ، ونردده . وقد حاولت الحكومة
حينذاك أن تشتري تلك الظاهرة بوساطة بعض المثقفين
، وسعت لجر قدم أحمد نجم والشيخ إمام إلي الإذاعة
والصحف ، لكن نجم أعطى كل ذلك ظهره ، وظل يسير
نحو الناس . وشهدت القاهرة مظاهرات طلابية داخل
الجامعات ، لا أذكر متى بالضبط ، وكان نجم عندنا
في شقتنا بشارع عدلي ، قلنا له : يا نجم اكتب
شئ للطلبة . قال : طبعا ، وظل سادرا في مزاحه
ونكاته مع الجميع . فاستدرجناه إلي إحدى الغرف
، وما أن دخل هناك حتى أغلقنا الباب عليه بالمفتاح
، وقلنا له : لن تخرج إلا ومعك قصيدة للطلاب .
وكنا قد تركنا له في الغرفة شايا وطعاما . وظل
نجم يصرخ ، ويسب ، ولكننا لم نفتح الباب إلا حين
قرأ لنا من وراء الباب قصيدته الشهيرة الجميلة
" رجعوا التلامذة يا عم حمزة للجد تاني "
. واعتبرنا حينذاك أننا كتبنا تلك القصيدة ، حين
اعتقلنا نجم ، اعتقالا أهليا لصالح الشعب والثورة
!
(4)
عام 1969 ، انتقلت
من معتقل طرة إلي سجن القناطر . وهناك وجدت أحمد
نجم والشيخ إمام . وكان معنا أيضا زميل يدعى فرانسيس
كرولوس ، وفلاح طيب يدعى أحمد سويلم ، كان كلما
ثار نقاش حول الأدب والفن ، يستوقفنا بنظرة ماكرة
، مبتسما قائلا بزهو : " لكن يا زملاء ،
مهما كان ، الأدب للشعب ، ولا إيه؟" ثم يدير
عينيه بيننا ليرى وقع كلماته المدهشة . سجن القناطر
كان يتبع نظاما قاسيا ، لا زيارات ، ولا صحف ،
ولا طوابير فسحة . فقط نصف ساعة يوميا من الخامسة
إلي الخامسة والنصف عصرا تمشية سريعة حول الزنازين
، وانتهى الأمر . ولما ضقنا بهذه الحال ، فكرنا
في إضراب عن الطعام لنحصل على حقنا في زيارات
، وصحف . وقلت لنجم : ما رأيك ؟ صاح نجم بحماسه
لكل شئ : " طبعا يا أحمد ، دول ح يموتونا
هنا أولاد الكلب، وصدقني ، ما حدش ح يحس بينا
" . أقول : " يعني موافق يا نجم على
إضراب عن الطعام ، يوم الثلاثاء بعد عشرة أيام؟
" يقول لي : " الله ! أنت غبي يا جدع
؟ طبعا موافق ، ما فيش حل تاني مع أولاد الجزمة
دول " . ماشي . اتفقنا جميعا ، وقبل الإضراب
بيوم قال لي فرانسيس كرولوس : " والنبي يا
أحمد أكد على نجم موعد الإضراب غدا " . في
طابور التمشية ذكرت نجم بأننا غدا سندخل الإضراب
، فإذا به يضع يديه في خاصرته ويصرخ : "
إضراب إيه يا أولاد الكلب ؟ عاوزين تموتوني ؟
ده عندي قرحة في معدتي ولو ما أكلتش نص ساعة أموت
؟ أنتو خلاص ما عندكوش ضمير ؟ " ! . هكذا
انتهى مشروعنا الثوري الكبير ، وظللنا داخل السجن
من دون زيارات ، ولا طعام منزلي ، ولا صحف ، إلي
أن فوجئنا ذات يوم بشخص شديد الأناقة ، والوجاهة
، والكبرياء يدخل منطقة الزنازين ، كأنه متجه
إلي فندق هيلتون . وحين سألنا الشاويشية ، قالوا
همسا : " ده اللواء صفوت بيه ، لواء طيار
، جابوه في الرجلين " . الرجل الذي دخل بكل
هذه الوجاهة ، صعقنا جميعا حين سمعنا صوت بكاءه
من داخل زنزانته وهو يقول : " ده كلام ؟
أنا صفوت تبهدلوني كده ؟ " . وفيما بعد اتضح
أنه سجن لمجرد أنه كان قريبا لشخص آخر . كان نجم
يقرأ في الليل داخل زنزانته ، وأنا أيضا ، أقرأ
مسترشدا بعبارة سويلم " الأدب للشعب "
، أما اللواء صفوت فكانت " الكلمات المتقاطعة
" هي حرفته الأولى والأخيرة ، لا يعرف سواها
في الحياة . لكن من أين له بالصحف التي تحتوي
على الكلمات المتقاطعة ؟ . وكان اللواء يثير إشفاقنا
الطيب عليه ، بصيحته المتعجبة المتألمة ليلا في
وحدته : " ده أنا صفوت ؟ ! تعملوا فيه كده
؟ " .
ذات يوم قال
اللواء صفوت لنجم أثناء التمشية : اكتب لي كلمات
متقاطعة . وأخرج نجم ورقة وقلما وكتب بالفعل ،
وأعطى الورقة لسيادة اللواء . وكانت زنزانتي تقع
بين زنزانة نجم واللواء صفوت . في الليل أخذ اللواء
يطرق جدار زنزانتي ، وهو يصيح بي : " من
فضلك اسأل نجم ، ثلاثة أفقي ، اسم مطرب عربي من
أربعة حروف : حليم ، ولا فريد ؟" رحت بدوري
أطرق جدار زنزانة نجم : " يا نجم ، اللواء
يسألك ، اسم مطرب عربي من أربعة حروف ، حليم ،
ولا فريد ؟ " . فوجئت بصوت نجم مستثارا مغتاظا
من خلف الجدار : " الله .. ده ابن .. أنا
أكتب له الكلمات المتقاطعة بالنهار ، وأحلها له
بالليل ؟ .. قل له .. كذا ! " . بالطبع لم
أستطع أن أقول لسيادة اللواء كلمة " كذا
" ، وظللت ألح على نجم بصيحاتي إلي أن اعترف
لي أن المطرب هو فريد !
(5)
كان أحمد نجم
على مدى أكثر من ثلاثين عاما ضميرا للشعب المصري
، ولهمومه، وعاني في سبيل ذلك من المعتقلات ،
والتشريد ، والمطاردة ، والتجويع ، كما عاني من
كل ذلك عبد الله النديم ، وبيرم التونسي ، وآخرون
، وارتطم نجم بمغريات كثيرة جدا ، والمغريات أشد
وطأة من السجن ، وكان يمكن لكل أبواب الثراء والشهرة
التي فتحت أمام نجم أن تشتريه ، وأن تحطمه , وأن
تحوله لشاعر مناسبات الحكومة والوزراء ، لكن نجم
بقى ، ليكون شاعر الشعب المصري عن حق على امتداد
نحو نصف القرن . هذه هي صورة أحمد فؤاد نجم عندي
: شاعر كبير يستحق الاحترام والتقدير والحب ،
وإنسان له قلب طفل ، لم يترك الزمن أية تجعيدة
على قلبه ، لأن أحلام الناس ظلت النبع الذي يلهمه
التجدد ، والمقاومة ، والشعر .
أحمد الخميسي
. كاتب مصري