إسلاميات .................إسلاميات....... ............إسلاميات...... ............إسلاميات  
 
 

صلح الحديبية

أ.د سليم الوردي

مع حلول شهر ذي القعدة من كل عام، أتطلّع إلى إعلامنا الرسمي والشعبي، آملاً أن يلتفت وينظّم برامج للتوعية "بصلح الحديبية"، لا على سبيل التذكير بالمناسبة وحسب، بل للإفادة من دروسها وعبرها، والاستعانة بها للخروج من الخانق السياسي الذي تُحشر فيه أمتنا. وأُصاب بخيبة الأمل في كل عام، حتى بتّ أتساءل: لماذا يغفل الإعلام "صلح الحديبية" ويتركه في الظل. ولماذا لا تحتل تفاصيله إلا موقعاً هامشياً في ثقافتنا السياسية، لا يرقى إلى أهمية وخطورة هذا المنعطف الكبير في مسيرة الدعوة الإسلامية؟، وأقصد بالثقافة السياسية مجمل العوامل والمؤثرات الفكرية التي تشكّل الوعي الجمعي للمجتمع في تعامله مع المتغيرات والتحديات السياسية التي تواجهه؟!

نحتفل بالعديد من المناسبات الإسلامية، تُلقى فيها الخطب و القصائد الشعرية، للإشادة بها. وإلقاء الضوء على مدلولاتها. أما "صلح الحديبية" فلا يصطف ضمن هذه المناسبات. وإذا استعرضنا الأفلام السينمائية والمسلسلات التلفزيونية والأعمال المسرحية التي تتناول أحداث الدعوة الإسلامية، فلا نجد فيها إلا مشاهد هامشية صغيرة عن "صلح الحديبية". ولم يكرَّس أي عمل درامي لهذا الحدث العظيم، على الرغم مما يختزنه من وقائع مثيرة تصلح مادة درامية بامتياز، لما تنطوي عليه من صراعات تؤهلها لحبكة درامية مشوّقة. ولا أخال كتّاب الدراما العرب غافلين عنها. ولكن يرجح عندي أنهم لا يجدون لها رواجاً، سواء لدى المنتجين أو الممولين. فالمناخ السياسي منذ القرن الماضي يميل إلى الأعمال الدرامية ذات الطابع التعبوي القتالي. لهذا وجدناه ينتقي من الأحداث التاريخية ما يتناغم مع هذا الميل، فيركز على المعارك والفتوحات، وكل ما يروّج لثقافة الحرب والسيف التي تشبّع بها وعينا: "فالحق بالسيف والعاجز يريد شهود" و "السيف أصدق انباءً من الكتب" و "تؤخذ الدنيا غلابا"... الخ.
وهذا ما أسميه "بالانتقائية" في الثقافة السياسية: إلقاء الأضواء على جوانب من التاريخ، وإبقاء الجوانب الأخرى في الظلمة. وهو ما يطلق عليه المخرجون المسرحيون "بالعزل" حين يشدّون انتباه المشاهدين إلى جانب معيّن من المشهد -سواء بالإنارة أو الحركة- ويصرفوه عن الجوانب الأخرى. وإذا كان الانتقاء والتفضيل من حقوق الأفراد، فإنه يرقى إلى مصاف الجريمة بحق وعي المجتمع، حين يتحّكم بمصادر ثقافته، ليوجهه في الوجهة التي يشاء، كما يفعل الحوذي مع حصان العربة.
مشاهد ذات دلالة
لكي نحيط بالتقاطع بين رؤية الرسول (ص) ورؤية المسلمين وبضمنهم كبار الصحابة من "صلح الحديبية" وتداعيات ذلك التقاطع، نعرض بعض المشاهد المثيرة التي يرويها الطبري:
المشهد الأول: "بعد أن جرى الصلح ولم يبق إلا كتابته وثب عمر بن الخطاب فأتى أبا بكر فقال: أليس (محمد-الكاتب) رسول الله، قال بلى. قال أوَ لسنا بالمسلمين، قال بلى. قال: أوَ ليسوا بالمشركين، قال بلى. قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا! قال أبو بكر: يا عمر الزم غرْزه (أطع أمره ونهيه-الكاتب) فإنّي أشهد أنه رسول الله. قال عمر: وأنا أشهد أنه رسول الله.
يُستشَف من الحوار أن أبا بكر كان على رأي عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) ولكنه لم يشأ الإفصاح عن اعتراضه حتى ولا التحدّث فيه. بيد أن عمر بن الخطاب لم يقف عند هذا الحد وأتى رسول الله (ص) وطرح عليه السؤال بالصيغة نفسها، وكان جواب الرسول (ص): (أنا عبد الله ورسوله، لن أخالف أمره، ولن يضيّعني".(1)

المشهد الثاني: "فبينا رسول الله يكتب الكتاب هو وسهيل بن عمرو إذ جاء أبو جَندل بن سهيل بن عمرو يرسف بالحديد وقد انفلت إلى رسول الله (ص)... فلما رأى سهيل أبا جندل قام إليه فضرب وجهه وأخذ بلببه، فقال سهيل: يا محمد لقد لجّت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا، قال: صدقت. فجعل ينتره بلببه ويجرّه ليردّه إلى قريش. وجعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته: يا معشر المسلمين أُردّ إلى المشركين يفتنوني في ديني. فزاد الناس ذلك شراً إلى ما بهم. فقال رسول الله (ص): يا أبا جندل احتسب فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجا. إنّا قد عقدنا بيننا وبين القوم عقداً وصلحاً، وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهداً وإنّا لا نغدر بهم. فوثب عمر بن الخطاب مع أبي جندل يمشي إلى جنبه ويقول: اصبر يا أبا جندل فإنما هم المشركون وإنما دم أحدهم دم كلب. قال وهو يدني قائم السيف منه... ويقول عمر: رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه. قال: فضنّ الرجل بأبيه"(2).

المشهد الثالث: "فلما فرغ رسول الله من قضيته قال لأصحابه: قوموا فانحروا ثم احلقوا. فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلم يقم منهم أحد. قام فدخل على أم سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس. فقالت له: أتحب ذلك، اخرج ثم لا تكلم واحداً منهم كلمة حتى تنحر بدَنَتك وتدعو حالقك فيحلقك. فقام وخرج فلم يكلم أحداً منهم كلمة حتى فعل ذلك: نحر بدنته ودعا حالقه فحلقه. فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضاً حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً غمّاَ... حلق رجال وقصّر آخرون. قال رسول الله (ص): يرحم الله المحلّقين، قالوا: والمقصرين يا رسول الله. قال: يرحم الله المحلقين قالوا: والمقصرين يا رسول الله قال: والمقصّرين. قالوا: يا رسول الله لم ظاهرت الترحم للمحلّقين دون المقصّرين، قال: لأنهم لم يشكّوا."(3)

أما المشهد الذروة فتمثّل بنزول سورة الفتح على رسول الله (ص) أثناء رحلة انصرافه من الحديبية راجعاً إلى المدينة. قرأها على الناس وهو على راحلته وقال: (لقد أُنزلت عليّ الليلة سورة أحبّ إليّ من الدنيا وما فيها"(4).
ومما يسترعي الانتباه أن الرسول (ص) قرأ السورة من على راحلته، ولم ينتظر حتى يتوقف الركب للاستراحة أو لحين الوصول إلى المدينة، مما يدلّ على تقديره ضرورة إبلاغ المسلمين بها من دون إبطاء. ومن يتمعن في السورة يجد فيها وثيقة سياسية برنامجية (بلغة هذه الأيام) تكشف عن ملامح مرحلة جديدة في مسيرة الدعوة الإسلامية وآفاقها القريبة. وتردّ على تقولات المشككين بجدارة "صلح الحديبية".
الدلالات
أولاً: بعد ستة أعوام من الغزوات والمعارك القتالية الشرسة أدرك الرسول (ص) بثاقب بصيرته نضج الدعوة الإسلامية للتحول إلى طور نوعي جديد، لا يستغرقها فيه الجهاد القتالي وحسب. وكان لا بد لمثل هذا التحول من منعطف كبير في مسيرة الدعوة. منعطف يتطلّب إعداداً نوعياً جديداً للمسلمين، يؤهلهم لمواجهة متطلبات المرحلة. وإخضاعهم لاختبار يصنفهم حسب عمق إيمانهم وتماسكهم. وكان أن رسب في الصفحة الأولى من الاختبار قطاع لا يستهان به من المسلمين. فحين أعلن الرسول (ص) عن قراره بالحج إلى بيت الله الحرام من دون حرب (في شهر ذي القعدة سنة 6 للهجرة) واستنفر العرب من حوله ومن أهل البوادي أن يخرجوا معه، أبطأ عليه كثير من الأعراب. وتفسِّر آيات من سورة "الفتح" تقاعسهم خوفاً من مخاطر رحلة لا غنائم فيها.
"سيقول لك المخلَّفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم (الآية 11)... إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتّبعكم... (الآية 15).
وحين غزا الرسول (ص) خيبر في أعقاب صلح الحديبية دعا إليها من المسلمين من شهد الصلح فقط وخصّهم بغنائمها الكثيرة. ولم يدع للمشاركة فيها أولئك المخلَّفين.
وامتد اختبار الرسول (ص) لانضباط وتماسك المسلمين إلى أولئك الذي شهدوا معه صلح الحديبية حين أظهر المحلّقين منهم على المقصّرين لأنهم لم يشكّوا كما جاء أعلاه.
ثانياً:واجه الرسول (ص) معارضة حادة من المسلمين لم يألفها في علاقتهم به، وكادت أن تنذر بالتمرد على قرار الصلح لو لم يكن الرسول (ص) يجمع في شخصيته، النبي والقائد في آن. وإن ما يقرره ليس اجتهاداً، بل تنفيذ أمر إلهي، وما على المسلمين إلا الانصياع له. ولم تكن هناك فسحة من الوقت للتشاور. فضلاً عن أن التشاور ما كان ليجدي نفعاً. فالمعارضة كانت مستشرية من القاعدة حتى القمة إذ وصلت مستوى صفوة الصحابة. وكانت ترتوي من ثقافة بدوية يتعذر عليها استيعاب هذا الخطب الجلل. وكان لشروط الصلح وقع الصاعقة على القيم البدوية التي ألفوها. خاصة الشرط الذي قضى أن يَردّ رسول الله (ص) من يأتي اليه من قريش بغير إذن وليه، بينما لا تَردّ قريش من يجيئها من المسلمين. إذ يتقاطع ذلك مع قاعدة اللجوء القبلية (الدخالة) التي تقضي بقبول حتى المجرم الفار الذي يلجأ إلى عشيرة أخرى طالباً حمايته من مطارديه... فما بالك إذا كان اللاجئ أخوهم في العقيدة!
وقد بدا هذا الشرط مجحفاً للمسلمين. ولكنه في حقيقة الأمر كان يشفّ عن خوف قريش من تفكك صفوفها وفرار أبنائها إلى المسلمين. بيد أن مثل هذا الهاجس لم يكن ينتاب الرسول (ص). وإذا ما فرّ أحدهم إلى المشركين فلن يكون إلا من المنافقين الذين لم يحرص الرسول (ص) على بقائهم بين المسلمين.
كما ويرجح عندي أن الرسول (ص) كان متيقناً من تراجع قريش عن هذا الشرط تحت ضغط الأمر الواقع. ويظهر ذلك من حديثه إلى أبي جَندل: "احتسب فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجا "، وكان يكرر هذا القول إلى كل من يلجأ اليه من قريش وهو يردّه إليها. بيد أن اللاجئين لم يرجعوا إلى قريش، بل تجمّع نحو من سبعين رجلاً منهم حول أبي جَندل بن سهيل بن عمرو، وخرجوا على قريش. وراحوا يعترضون قوافلها إلى الشام. فاستغاثت قريش منهم وأرسلت إلى النبي (ص) تناشده بالله وبالرحم أن يكفيها أذاهم ويقبل لجوءهم إليه(5).
ثالثاً: تجلّت في صلح الحديبية المرونة السياسية العالية للرسول (ص). وأفرز الموقف الفرق بين مفهوم "الغَلَبة" البدوي، و "الرجحان" المدني. فالغلبة تعني القهر. غلب عليه لغة: قهره واعتزّ عليه، وما يختزنه ذلك من شعور بالأنفة والكِبْر. أما الرجحان فيرتبط بالميزان، وحسابات أهل المدينة في البيع والشراء والصفقات التجارية، ولا علاقة له بالعزّة والأنفة والكِبْر. وليس من باب الصدفة أن يستخدم السياسيون المعاصرون مصطلح "ميزان القوى". لذا نجد أن الرسول (ص) أبدى مرونة وحنكة عاليتين في صياغة وثيقة صلح الحديبية. ولم يكترث للاعتبارات الشكلية. فلم يصر على "بسم الله الرحمن الرحيم" وجارى مفاوض قريش فاستبدلت بـ"بسمك اللهم"، ولا "بمحمد رسول الله" فاستبدلت بـ"محمد بن عبد الله". ولهذا يمثل صلح الحديبية -بتقديرنا- أنموذجا رائعاً للمساومة السياسية. وهو ما ينكره الوعي البدوي، الذي لم يألف المساومات التجارية، فما بالك بالمساومات السياسية!! فلا حضور لمفهوم الربح والخسارة في قاموس البدوي، بل هي الغلبة التي تستغرق تفكيره: فأما أن تكون غالباً أو مغلوباً. وتستمر تداعيات هذه الرؤية البدوية في وعينا المعاصر. فحين نذهب إلى السوق نخشى أن يغلبنا البائع. أما على المستوى السياسي فإن أبشع تهمة نوجهها إلى خصومنا السياسيين هي: "مساومة الاستعمار)!
رابعاً: أفرز صلح الحديبية منهجاً في إدارة الصراع بين المسلمين والمشركين من دون استخدام السلاح. ومثّلت تلك التجربة نموذجاً تاريخياً رائداً لما أطلق عليه في أعقاب الحرب العالمية الثانية ما سمي "بسياسة التعايش السلمي" بين المعسكرين الشرقي والغربي المتسلحين بالأسلحة الذرية. ويسمح هذا المبدأ بامتداد الصراع بين المعسكرين إلى جميع الميادين الإيديولوجية والاقتصادية والسياسية مع تفادي التصادم العسكري بينهما.
ومن نافلة القول أن الوعي البدوي كان أعجز من أن يستوعب ذلك المنهج، الذي لم يستوعبه الكثير من معاصرينا "المتمدنين).

رؤيتان للفتح
جاء صلح الحديبية بفهم سياسي جديد "للفتح" بشّرت به سورة "الفتح": النصر من دون حرب. وهو أمر كان من المتعذّر على الوعي البدوي ضيّق الأفق استيعابه. فما بالك بتبنيه! ولنا أن نتخيّل المشقّة الكبيرة التي كابدها الرسول (ص) في إقناع الناس بها، حين نسقطها على الوعي السياسي عبر صفحات الحكم العربي الإسلامي، وإلى يومنا هذا.
انبثق عن صلح الحديبية صراع حاد بين رؤيتين "للفتح": الأولى بدوية قتالية، والثانية مدنية عقائدية. وقد سجّلت الرؤية العقائدية "للفتح" انتصاراً كبيراً بفتح مكة سنة 8 للهجرة. ولكنها عادت فانحسرت بعد وفاة الرسول (ص)، حتى طُمست مع مرور الزمن. واستأثر بانتباهي أن الكثير من المسلمين، وبضمنهم قارئين دؤوبين للقرآن الكريم يقترن لديهم نزول سورة الفتح بفتح مكة سنة 8 للهجرة وليس صلح الحديبية. ولا يعود ذلك بتقديري إلى جهلهم بالمعارف القرآنية، بل إلى عقلهم الباطن الذي يُصوّر لهم أن "الفتح" يعني الاحتلال، لا سيما حين يقترن بمشهد دخول جيوش المسلمين إلى مكة من جهاتها الأربع كما تصوره الأفلام السينمائية.
وتُكرّس كتب التاريخ والمدرسية منها خاصّة المفهوم القتالي للفتح. فالفتوحات تعني الحروب والاحتلال. ولا يمكن لوعينا أن يراها على نحو آخر. كما أن معاجمنا اللغوية تعطي هي الأخرى هذا المعنى للفتح، إلى درجة أن مصطلح الفتح فقد مضمونه العقائدي حين صار لقب الفاتح يطلق على غزاة اجتاحوا ودمّروا بلاد المسلمين مثل: جنكيزخان وسلالته المغولية.
لقد وقعت الرؤية العقائدية للفتح في أسر الثقافة البدوية: ثقافة الغزو والسبي والثأر والغنائم. والحقيقة أن العقيدة الإسلامية برمتها حوصرت بقيم البداوة، ولا تزال. يقول الكاتب الأردني فاروق الكيلاني:
(رافقت العصبية القبلية التاريخ الإسلامي في جميع عصوره. وكانت تشكّل بالنسبة له محوراً ثابتاً يدور حولها في التصاق تام. وإنها لم تكن فكرة جاهلية حاربها الإسلام فانقضت، بل كانت قوة فاعلة وهادرة في الدولة الإسلامية في جميع مراحلها. ولا يستطيع التاريخ أن يجد تفسيراً لامتداد خطر العصبية القبلية من حيث الزمان والمكان إلا أنها أقوى أثراً في النفوس من العقيدة الإسلامية) (6).
ومن طريف ما يُروى "أنه قيل لأعرابي: أيَسرّك أن تدخل الجنّة ولا تسيء إلى من أساء لك؟ فقال: بل يسرّني أن أدرِك الثأر وأدخل النار.(7)
لقد استشرى الفهم القتالي "للفتح" في ثقافتنا الإسلامية لدرجة التعتيم على تجارب الشعوب التي اعتنقت الدين الإسلامي من دون حرب، وفي المقدمة منها تجربة الشعب الإندونيسي. "فالفتح" الذي لا يقترن بالحرب لا يحفر سطوره في صفحات ذاكرتنا.
وتختزن تجربة انتشار الإسلام في إندونيسيا دلالات عقائدية وضّاءة تميزها عن التجارب التي تحققت بحد السيف. ومما يذكر أن الديانتين البوذية والهندوسية كانت مهيمنتين في إندونيسيا حتى القرن الرابع عشر حين توغلت العقيدة الإسلامية بواسطة التجار المسلمين القادمين إليها من الهند. وتُعد إندونيسيا اليوم أكبر دولة مسلمة، إذ يمثّل المسلمون 90% من السكّان. ويشكلون نحو من 20% من مسلمي العالم.
وليتصور المرء كم من الخسائر والتضحيات كان سيترتب على جيوش المسلمين تكبُّدها لو أنها أرادت فتح إندونيسيا بحد السيف! إذا أخذنا بعين الاعتبار طبيعتها الجغرافية المعقدة: أرخبيل من نحو 3000 جزيرة منتشرة بين المحيطين الهندي والهادي وبحر الصين الجنوبي. ومن مزايا هذه التجربة أنها لم تشهد حركات تمرّد ونكوص عن الديانة الإسلامية، كما حدث في الأمصار التي فتحت بحد السيف، واصطَلح مؤرخونا على تسميتها (بالحركات الشعوبية).
لقد تركت التجربة الإسلامية للشعب الإندونيسي في الظل وفُرِّط بالوظيفة الإعلامية الفاعلة التي يمكن أن تنهض بها في مواجهة الحرب الإعلامية المناوئة للإسلام. تلك التي تقوم على إفراغ الدعوة الإسلامية من محتواها العقائدي، واختزالها إلى حروب توسعية شرسة كتلك التي شنّها جنكيزخان و سلالته المغولية. وحين يكرِّس الإعلام الإسلامي المضمون القتالي للفتوحات الإسلامية إنما يصبّ الزيت في ماكنة الإعلام المناوئ للإسلام.
ولم تقتصر الرؤية القتالية "للفتح" على فصائل الإسلام السياسي وحسب، بل ووسمت بميسمها وعي فضائنا السياسي كله: تأثّر بها الاشتراكيون والقوميون، حتى الليبراليون. ومن تجلّياتها هيمنة العقيدة الانقلابية على فصائل المشروع السياسي العراقي. وما العقيدة الانقلابية في جوهرها إلا ترجمة للرؤية القتالية لمضمون "الفتح" في الوعي السياسي المعاصر.(8)
واليوم حين يرتدي مشروعنا السياسي الحلّة الليبرالية القشيبة التي أهديت له جاهزة بعد أن أخفق في خياطتها على مقاسه، يجدها فضفاضة، يتعثّر بأذيالها. إذ لا تزال خلايا وعيه متشبعة بالرؤية القتالية "للفتح". ويتجلى ذلك في أعراض مختلفة.
الكثير من جماهير وقواعد اليسار العراقي لا يزال ينحو باللائمة على قياداته لأنها أخفقت في توظيف التقنيات الانقلابية للقفز إلى السلطة. كما وتمتد رؤيتها القتالية إلى شؤون السياسية الدولية، فتدين سياسة التعايش السلمي التي انتهجها الاتحاد السوفيتي في سياسته الخارجية، وترى أنها كانت وراء انهيار المعسكر الاشتراكي. ولا يخامرها الشك إن الاشتراكية كانت ستعم العالم في نهاية القرن العشرين، لولا سياسة وثقافة التعايش السلمي "المتخاذلة" تلك!
أما التيار القومي الذي تربع على سدّة الحكم أربعة عقود وأخفق في تحقيق أهدافه المعلنة، فلا نجده يُخضِع للنقد العقيدة الانقلابية التي تبناها مشروعه السياسي، ويكتفي بإلقاء اللائمة على الرموز التي قادت تلك التجربة.
ونتيجة كل ذلك نجد التيار الليبرالي لا يزال ضعيفاً، بالمقارنة مع التيارات الراديكالية القادرة على تعبئة الجماهير واستنفارها، ببرامجها وسياساتها القتالية.
الخاتمة
نحو ثقافة حديبية
ربما ينتقد البعض من مؤرخينا وباحثينا الإسلاميين تصدينا للبحث في حدث خطير الأهمية في تاريخ الدعوة الإسلامية مثل "صلح الحديبية": و يجدوا فيه تطفّلاً على حقل معرفي يقع خارج اختصاصنا. ولا أستبعد أن يقفوا على بعض العثرات في عرض التفاصيل التاريخية للحدث. وعزاؤنا في ذلك وجودهم ليصححوا لنا حين نخطئ، ويقيلوا عثراتنا حين نعثر. والتاريخ في نهاية المطاف ليس حكراً على المؤرخين. فمعارفنا المعاصرة تبقى عائمة إن لم ترتوِ من معين التاريخ. عندها لا يعود التاريخ حوادث متناثرة معلّبة ورموز مسلْفَنَة. فالتاريخ يفقد وظيفته إن قُرِأ ولم يُستقرأ.
ولم يكن تصدينا "لصلح الحديبية" على سبيل استذكاره وروايته تفاصيل أحداثة، بل على سبيل استقراء دلالاته للاهتداء بها في المنعطفات الحادة التي يعيشها مجتمعنا. لأن القراءة لتأريخنا محنطاً كانت ولا تزال تحاصر وعينا وتحشره في خانق ضيّق يتعذّر عليه التعامل مع المستجدات المعاصرة، ليظلّ منكفئاً على الماضي، بينما يسير العالم إلى أمام.
وفي الطرف الثاني يعيش مثقفونا الذين يستقون معارفهم من المصادر المعاصرة، غربة وانفصاما عن تاريخنا الإسلامي، بسبب من العرض المعلّب أو المُسلفن لهذا التاريخ، والهلع الذي يصيب بعض مؤرخينا وباحثينا الإسلاميين حين يندفع البعض إلى استقراء التاريخ على نحو يختلف عن قراءتهم له.
ويمثّل صلح الحديبية -بتقديرنا- مدرسة تتجاوز في أهمية دروسها الحدود الزمنية والظرفية لذلك الحدث العظيم، لتمدنا اليوم برؤية خلاقة تشيع في تعاملنا مع المستجدات المرونة والحنكة وبعد النظر. وبعد أن استَنفدت طاقاتنا الرؤية القتالية "للفتح"، ووصلنا إلى ما نحن فيه، يجدر بنا ونحن نواجه التحديات الصعبة أن نؤسس لثقافة سياسية جديدة... "ثقافة حديبية).

 

 
       
  مواقع تربوية هامة
 
  http://www.tarbiya.ma/
http://www.tanmia.ma/
http://www.marocfree.net/
http://www.bladi.net/
http://arabmaths.site.voila.fr/
http://www.pc1.free.fr/
http://sc.college.free.fr/
http://www.alfihrya.free.fr/
http://oustadkarim.ifrance.com/
http://www.chez.com/exercicesfrancais/
http://www.arabicdream.com/
http://www.amrkhaled.net/
http://www.khayma.com/
http://www.naseej.com/
http://www.raddadi.com/
http://www.alef.ma/
http://www.ibtikar.ac.ma/
http://poete.site.voila.fr/
http://www.lettres.net/
http://fr.wikipedia.org/
http://www.adodoc.net/
http://abdulweb.com/
http://www.maxicours.com/
http://eduscol.education.fr/
http://elsap1.unicaen.fr/
http://ar.wikipedia.org/
http://www.leqatar.net/
http://www.arabicl.org.sa/
http://www.dorosse.com/
http://www.snv.jussieu.fr/
   
   
                           
Google
 
 
 
Powered by voila © 2005, 2006 monsite.voila.fr
 
جميع الحقوق محفوظة لموقع كفايات